من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٩ - أولو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم
بحقيقة المخلوق الملائكي بحيث يتأتى له القول بأن جنساً يتقبل الذكورة والأنوثة، ناهيك أن المعلومات اليسيرة المتاحة عبر الديانات السماوية السابقة تسير باتجاه ينفي المشابهة مع المخلوق البشري إلا في العقل والحرية، وفي نفي قابلية الذكورة والأنوثة. وتجدر الإشارة أن تعبير عِبَادُ للملائكة لا يجعلهم ذكورا، والتذكير هو غالب اللغة كما يقولون .. على كل كلماتهم بتأنيث الملائكة لا تستند إلى معرفة.
أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ هل كانوا حاضرين عندما خلقهم الله حتى يحكموا بأن الملائكة بنات؟! سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ أي سنسجل لهم قولهم بأن الملائكة إناث، ويسألون عنه يوم القيامة، وكفى بذلك رادعا عن أقوالهم اللامسؤولة.
[٢٠] ويمضي السياق في دحض تخرصات الجاهليين الواحد بعد الآخر حتى يبلغ محورها الرئيسي المتمثل في النظرية القدرية، ذلك أن أساس زيغ البشر- كما يبدو، وكما سبق القول آنفا- النظرة الشيئية التي تعطي للأشياء قيمة ذاتية بعيدة عن صلتها بالله العظيم .. فتضفي عليها هالة من القداسة، والثبات والحتمية.
إن الاعتقاد بوجود جزء من الله في عباد الله هدفه تجريد الإنسان عن مسؤولية أعماله. ألا ترى كيف يتنصل الطاغوت- أي طاغوت- عن الالتزام بالقانون باسم أنه ظل الله في الأرض، وأنه لا يخطئ؟
ويزعم بعض أدعياء التصوف أنه مظهر لتجلي الحقيقة المحمدية فهو لا يزيغ. ويزعم بعض أدعياء الفقه بالتصويب، وأن ما يحكمون به عين ما حكم الله به من فوق عرشه. وهكذا الإنسان العادي يذهب إلى تبرير أعماله بأن وراءها إرادة الله.
كما أن الشرك بالملائكة ينبعث من نزوع الإنسان إلى تبرير أعماله، والتهرب عن المسؤولية، حيث زعم بأن الملائكة يشفعون له.
وهكذا نجد السياق يواصل الحديث عن هذه الأفكار الشركية حتى يبلغ جذورها المتمثلة في القدرية فيقول وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ فالله سبحانه حسب هذا الزعم مسؤول عن ضلالتهم، لأنه كان قادرا على إنقاذهم منها فلم يشأ، كلا .. إن الله آتاهم فرصة الهداية، ووفر لهم عواملها، وشاءت حكمته أن يلقي بمسؤولية الاختيار عليهم، فإن اهتدوا بلغ بهم الكمال ذروته، وإن ضلوا سقطوا في قعر الهاوية، لأن تلك وهذه إنما تتم بإرادتهم.
وقد قلنا في بداية هذا الدرس أن هذه فكرة قَدَرِيَّة جَبْرِيَّة هدفها تبرير واقع الإنسان