من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٧٤ - وما أنا بظلام للعبيد
يوم القيامة، أمر الله ملكا عظيما من ملائكته يقال له إسرافيل بالنفخ في الصور فيحدث عندها صوت عظيم مهيب يقوم الناس بسببه من الأجداث بإذن الله عزَّ وجلَّ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنْ الأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ [يس: ٥١]، وتلك النفخة إيذانا منه تعالى ببدء أعظم وأرهب محكمة في عالم الإنسان حيث تقف الإنسانية بكل أجيالها التي تعاقبت على هذه الأرض، تزدحم بهم آفاقها، أحسنهم حالا يومئذ من وجد لقدميه موضعا ولنفسه متسعا، يسبحون في بحر من العرق الذي تنفصد به أبدانهم. وهناك تتقطع بينهم الأسباب والوشائج فيتبرأ الواحد من أقرب الخلق إليه، من ولده وزوجه وأمه وأبيه وأخيه.
وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ فمهما لقي الكفار والظالمون من جزاء كما هو حال الأقوام السالفة التي ذكرتهم الآيات (١٢- ١٤) إلا أن الجزاء الحقيقي الذي يتوعدهم به الله يلقونه في الآخرة، التي تبدأ بنفخة إسرافيل عليه السلام في الصور.
إسرافيل
وفي دعاء الامام زين العابدين عليه السلام في الصلاة عن حملة العرش قال:.
[وإِسْرَافِيلُ صَاحِبُ الصُّورِ، الشَّاخِصُ الَّذِي يَنْتَظِرُ مِنْكَ الإِذْنَ، وحُلُولَ الأَمْرِ، فَيُنَبِّهُ بِالنَّفْخَةِ صَرْعَى رَهَائِنِ القُبُورِ] [١].
وقال رسول الله صلى الله عليه واله
[خَلَقَ اللهُ الصُّورَ مِنْ لُؤْلُؤَةٍ بَيْضَاءَ فِي صَفَاءِ الزُّجَاجَةِ. ثُمَّ قَالَ: لِلْعَرْشِ خُذِ الصُّورَ فَتَعَلَّقْ بِهِ. ثُمَّ قَالَ: كُنْ. فَكَانَ إِسْرَافِيلَ، فَأَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ الصُّورَ فَأَخَذَهُ وَبِهِ ثُقَبٌ بِعَدَدِ كُلِّ رُوحٍ مَخْلُوقَةٍ وَنَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ لَاتَخْرُجُ رُوحَانِ مِنْ ثَقْبٍ وَاحِدٍ، وَفِي وَسَطِ الصُّورِ كُوَّةٌ كَاسْتِدَارَةِ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَإِسْرَافِيلُ وَاضِعٌ فَمَهُ عَلَى ذَلِكَ الكُوَّةِ. ثُمَّ قَالَ لَهُ الرَّبُّ تَعَالَى: قَدْ وَكَّلْتُكَ بِالصُّورِ فَأَنْتَ لِلنَّفْخَةِ وَلِلصَّيْحَةِ، فَدَخَلَ إِسْرَافِيلُ فِي مُقَدَّمِ العَرْشِ فَأَدْخَلَ رِجْلَهُ اليُمْنَى تَحْتَ العَرْشِ وَقَدَّمَ اليُسْرَى وَلَمْ يُطْرِفْ مُنْذُ خَلَقَهُ اللهُ يَنْظُرُ مَتَى يُؤْمَرُ بِهِ] [٢].
[٢١] فاذا جاء أمر الله لإسرافيل ونفخ في الصور، انبعث الناس من قبورهم وبدأ يوم القيامة، وهناك توضع الموازين الحق، وتخشع الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همسا من هول الموقف، وتأتي كل نفس بمفردها منقطعة عن كل شيء سوى ما اكتسبت وسعت، كما يصف القرآن وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْداً [مريم: ٩٥]. نعم، هناك اثنان يشايعانه تنتهي مهمة الأول عند إصدار الحكم المصيري بحقه وهو الشهيد الذي يدلي بافاداته أمام المحكمة
[١] بحار الأنوار: ج ٥٦ ص ٢١٧.
[٢] بحار الأنوار: ج ٥٦ ص ٢٦١.