من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٣٤ - ولا يغتب بعضكم بعضا
وهنا يقف القرآن له بالمرصاد فيأمر بالتمسك بالحياء والإبقاء على صفة احترام الآخرين حتى يقضي على التفكير في الجريمة.
أرأيت كيف يسمح المستكبرون لأنفسهم بارتكاب المذابح الجماعية بحق المستضعفين ومنعهم من حقوقهم من أدنى درجات الحياة؟ هل فكرت يوما كيف انسلخ أولئك البشر عن إنسانيتهم واندفعوا في مثل هذه الجرائم؟ إنهم في البدء سخروا منهم وقالوا نحن أبناء الله، نحن الشعب المختار، نحن ذوو البشرة البيضاء اختارنا الله لحكم هؤلاء الذين لم يؤتوا من الذكاء والعقل نصيبا مذكورا. وهكذا كونت الثقافة العنصرية أرضية الجريمة بحق الشعوب.
ولعل التعبير القرآني قَوْمٍ هنا يعكس طبيعة الاستهزاء عند الرجال، حيث إنهم يفتخرون عادة بتجمعهم ويسخرون من سائر الناس، فترى أهل هذا الحي يقولون مَنْ مثلنا؟ أو أهل هذا النادي أو ذلك الحزب أو هذا المصر أو ذلك الإقليم إنهم يفتخرون بما لديهم ويفرحون بما أوتوا من نصيب الدنيا فيسخرون ممن لا يملك ذلك حتى ولو ملك ما هو أفضل منه.
أما النساء فتجري مفاخرتهن في أمور شخصية كالجمال والزينة أو النسب أو السبب. وأساس الاستهزاء بالآخرين عجب كل قوم بما يملكون من ميزات، وفرحهم بها، ثم تعاليهم على من سواهم بذلك، ولعل ميزات الآخرين أعظم وأنفع للناس وأبقى عند الله، لذلك ذكرنا الرب سبحانه بالالتفات إلى هذه الحقيقة، وقال عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَ وفي حديث مأثور عن رسول الله صلى الله عليه واله نقرأ أن من علامات عقل المرء تركه التعالي على الناس، هكذا روي عن أبي جعفر عليهما السلام: قال رسول الله صلى الله عليه واله
[لَمْ يُعْبَدِ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ بِشَيْءٍ أَفْضَلَ مِنَ العَقْلِ، وَلَايَكُونُ المُؤْمِنُ عَاقِلًا حَتَّى تَجْتَمِعَ فِيهِ عَشْرُ خِصَالٍ: .... وَالعَاشِرَةُ: لَايَرَى أَحَداً إِلَّا قَالَ: هُوَ خَيْرٌ مِنِّي وَأَتْقَى، إِنَّمَا النَّاسُ رَجُلَانِ: فَرَجُلٌ هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ وَأَتْقَى، وَآخَرُ هُوَ شَرٌّ مِنْهُ وَأَدْنَى، فَإِذَا رَأَى مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ وَأَتْقَى تَوَاضَعَ لَهُ لِيَلْحَقَ بِهِ، وَإِذَا لَقِيَ الَّذِي هُوَ شَرٌّ مِنْهُ وَأَدْنَى، قَالَ: عَسَى خَيْرُ هَذَا بَاطِنٌ، وَشَرُّهُ ظَاهِرٌ، وَعَسَى أَنْ يُخْتَمَ لَهُ بِخَيْرٍ. فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ عَلَا مَجْدُهُ وَسَادَ أَهْلَ زَمَانِهِ] [١].
وفي رواية أخرى قال رسول الله صلى الله عليه واله
[إِنَّ اللهَ كَتَمَ ثَلَاثَةً فِي ثَلَاثَةٍ كَتَمَ رِضَاهُ فِي طَاعَتِه، وكَتَمَ سَخَطَهُ فِي مَعْصِيَتِهِ، وكَتَمَ وَلِيَّهُ فِي خَلْقِهِ، فَلَا يَسْتَخِفَّنَّ أَحَدُكُمْ شَيْئاً مِنَ الطَّاعَاتِ فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي فِي أَيِّهَا رِضَا اللهِ ولَا يَسْتَقِلَّنَّ أَحَدُكُمْ شَيْئاً مِنَ المَعَاصِي فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي فِي أَيِّهَا سَخَطُ اللهِ ولَا
[١] بحار الأنوار: ج ١ ص ١٠٨.