من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٣٤
إن الرب هو الغني الحميد، وحيث إنه تعالى خلقه لغاية جليلة.
ما هي الغاية الأسمى لخلق الجن والإنس؟ الخليقة سخِّرت للإنسان، الشمس والقمر، والسحاب والرياح، والسهل والجبل، والأنعام والطيور والأسماك و ..، كلها مسخرات للإنسان. أو لا نتفكر هل الممكن أن تكون خلقة البشر بلا هدف؟
كل شيء يخدم هدفا، بل لكل جزيئة من جزيئات وجود كل شيء غاية. أفيمكن ألا تكون لوجود الإنسان- سيد مخلوقات كوكبنا- أية غاية؟!
أو يتخذ رب السماوات والأرض من الخلق لعبا- سبحانه- وهو الغني الحميد، والعليم الحكيم؟!
تعالوا إذا نتفكر: هل خلق أي عضو من أعضاء أجسادنا عبثا، حتى ولو كانت قطعة من المصران، أو غدة صغيرة، أو حتى خلية واحدة، وإذا كان الجواب بالنفي حسب كل معلومات الطب والفسلجة، فكيف يكون مجمل خلق الإنسان بلا هدف؟!
فما هو الهدف إذن؟
أو يكفي أن نجعل الهدف الطعام والشراب. دعنا نستنطق عقولنا، ووجدان قلوبنا؟! أو نقتنع من أنفسنا أن نأكل ونشرب ونتمتع. أو لأنا نجد فراغا كبيرا لا بد أن نملأه بغير اللذات العاجلة.
إننا نسعى جميعا نحو العلم والفضيلة، ونعطي لهما قيمة أسمى من قيمة الثروة والقوة، ونتساءل: ما هي أعلى درجات العلم؟ أوَلَيست معرفة الله الذي نعرف به حقيقة أنفسنا، والواقع المحيط بنا. فمن دون معرفة الله تبقى كل الأسئلة حائرة.
كذلك أسمى درجات الفضيلة تقوى الله، وابتغاء مرضاته، والقرب منه.
وتتلخص معرفة الله وتقواه في كلمة العبادة، التي يجعلها القرآن الكريم غاية خلقة البشر فيقول وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ فما هي العبادة؟.
قالوا: [أصل العبودية الخضوع والذل، والتعبيد: التذليل، يقال: طريق معبد] [١]، ويبدو لي أن أصل معنى العبودية ليس التذلل والخضوع- كما قالوا- بالرغم من أن ذلك من لوازمها، بل صلاح الشيء بحيث يكون مهيأ للاستفادة أو بتعبير آخر: عدم وجود ما يمنع الانتفاع منه،
[١] تفسير القرطبي: ج ١٧ ص ٥٦.