من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢١٥ - إن تنصروا الله ينصركم
إرادات قبل أن تكون مقارعة الأسلحة، ومن كان أكثر صبرا، وأمضى إرادة، وأعظم ثباتا، فإنه يكون أقرب إلى النصر.
وصراع الإنسان مع هوى نفسه أعظم من صراعه مع أعدائه. ألم تكن مخالفة الهوى هي الجهاد الأكبر؟ والله سبحانه قد وعد المؤمنين بأن يعينهم في جهادهم مع أنفسهم إن هم نصروا دينه وجاهدوا أعداءه، وهذه أعظم نعمة من نصرهم على عدوهم الظاهر.
والواقع: أن سُنَّة الله قد قضت بأن القيم والشرائع التي أريقت الدماء من أجل تكريسها أشد ثباتا في النفوس وفي المجتمع من غيرها، وهكذا في كل أمر، فكل مكسب حصلت عليه بصعوبة لا بد أن تتشبث به بشدة، أما الذي ملك البلاد بغير حرب فإنه يهون عليه تسليم البلاد.
[٨] أما الكفر الذي يتشعب إلى شعب، فمنه الكفر بالله، ومنه الكفر بالرسول، ومنه الكفر ببعض ما أرسل به كالجهاد في سبيل الله، فإنه يؤدي إلى زلزلة الموقف، وضياع الجهد.
وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْساً لَهُمْ قالوا: التَّعْس هو الوقوع على الوجه، وكأنه تعبير عما يقابل ثبات القدم وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ حتى الذي يبدو صالحا من أعمالهم، لأنه لم يكن على الطريق السوي.
[٩] ما هو سبب كفرهم وهلاكهم؟ إن جذر ذلك كرههم لرسالة الله المنبعث من كبرهم وتعصبهم وتقليدهم لآبائهم، فاتخذوا موقفا سلبيا من الرسالة ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ وبالذات فيما يخالف هواهم، أو يعارض مصالحهم كالسياسة والاقتصاد فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ فإذا لم يُسلِّموا لولاية الله في السياسة والاقتصاد وسائر الأمور الأساسية لم تنفعهم صلاتهم وصدقاتهم، لأنها لم تكن ضمن الإطار الصحيح، وكان مثلهم كالذي زرع في غير أرضه أو سعى بغير هدى أو سار على غير طريقه.
إن عشرات السنين من الجهد قد تذهب بها ساعة من التهور أو الجبن أو اتباع الشهوة، كالذي يبني أعظم عمارة فوق أرض رملية! أرأيت كيف يقود طاغية مهووس بالسلطة باحث عن الكبرياء في الأرض شعبه الذي سلَّم له خوفا وطمعا في حرب طاحنة، تهدم البلاد، وتقتل الملايين، وتضيع مساعي عشرات السنين في بضعة أيام؟
وكم من مَثَلٍ يتجلَّى لنا في صفحات التاريخ لهذه المعادلة.
وليس الاقتصاد الفاسد بأقل خطرا من السياسة الفاسدة، فإن الاستغلال قد يذهب