من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٩٠ - لقد صدق الله رسوله الرؤيا
المؤمنون حسب تقواهم، ولم تأخذهم حمية الجاهلية، ولم تؤثر فيهم إثارات قريش، وصدهم إياهم عن إقامة شعائرهم، بل قبلوا بقرارات القيادة، حينئذ أثابهم الله على ذلك بتنمية روح التقوى في أنفسهم.
وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً فهو محيط بمدى ما يستقله قلب الإنسان من التقوى، ولا داعي لإثارة الجدل في كون فلان من المؤمنين أم لا، وهل يدخل الجنة أم النار، لأن ذلك عند الله، ولا ينبغي التطفل فيما يختص به الرب سبحانه.
[٢٧] ثم يؤكد ربنا صدق وعده لرسوله صلى الله عليه واله بدخول مكة، الأمر الذي يؤكد جدوى الصلح، وكونه الفتح المبين حقا، وخطأ تصورات البعض حوله، حيث تصوروا إنهم إذا أبرموا الصلح مع المشركين لم يحققوا شيئا، وإن الرؤيا التي أخبرهم بها الرسول لم تكن صادقة.
لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخَافُونَ أي إن دخولكم هذه المرة سيكون دخول المنتصرين .. وحدث ذلك فعلا في السنة الثانية، حيث فتحوا مكة، وكل هذه المزايا والنتائج كانت مجهولة لدى المسلمين.
فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحاً قَرِيباً وهو صلح الحديبية، أما الفتح البعيد فهو فتح مكة الذي جاء في أثر الصلح، وهذا التأكيد من القرآن على تسمية الصلح بالفتح إنما كان لبيان حقيقة مهمة، وهي وجوب اتباع القيادة وطاعتها عندما تختار طريقا معينا، بعيدا عن العواطف، ذلك أن من مشاكل القيادات الصالحة الضغوط التي تواجهها من قبل المتحمسين والمهيئين نفسيا للمواجهة، فهم يريدونها تستجيب لحماسهم، وإلا فهي في نظر البعض جبانة وضعيفة، وعلى القائد أن لا يترك الحكمة للحماس والعواطف لتكون قراراته حكيمة وحازمة.
إن الرسول صلى الله عليه واله واجه هذه المشكلة، إذ كان البعض يستنكر عليه عدم محاربته المشركين، وحينما صالح عَدُّوا صلحه مذلة وإهانة، بل ودليلا على ضعف سياسته، ولو كان يستجيب لحماس هؤلاء ما كان المسلمون يبلغون ما بلغوا بعد الصلح، كما واجه- أيضا- وصيه الإمام علي عليه السلام في معركة صفين معارضة من قبل المتشددين الذين سموا بعدئذ بالخوارج.
[٢٨] وربنا يؤكد حكمة نبيِّه، وصحة قراراته، لأنه يتبع هدى الله ودينه، فلا يصح إذن أن نخالفه أو نشكك في قيادته.