من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١١ - الإطار العام من أجل تزكية القلوب
وما أتفه الدنيا عند الله! فلولا أن يصعب على المؤمنين لجعلها كلها للكفار، لأنها متاع، أما الآخرة التي هي الحيوان فهي للمتقين وحدهم. (الآيات: ٣٣- ٣٥).
خامساً: قرناء السوء الذين يزينون للإنسان سوء عمله ليراه حسناً، وإنما يقيِّض الله قرين السوء من الجن والإنس لمن يَعْشُ ويتغافل عن ذكر ربه. أما من يتذكر فإنه يبصر الحقائق، لأن الشيطان يتهرب من ذكر الله. ويقوم الشيطان بصد التارك لذكر الله عن سبيل الهدى، وتزيين الضلالة له، وإنما ينتبه الغافل لدور الشيطان في إضلاله حين يأتي ربه، فيقول له يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ. وماذا ينفع التبرؤ منه يومئذٍ، لأنهما في العذاب مشتركان بسبب ظلمهما. وهكذا يعالج القرآن وسوسة الشيطان بذكر الله. (الآيات: ٣٦- ٣٩).
وبعد أن ينذر القرآن أولئك الجاهلين بعذاب، إما في عهد الرسول أو بعده، ويأمر النبي والذين اتبعوه بالتمسك بالوحي الذي هو شرف له ولقومه (دون المال والجاه) لأنهم يُسألون عنه، يأمره بأن يسأل السابقين من الرسل، ويستقرئ سيرتهم: هل كانوا يدعون قط إلى غير الله، ويقدسون آلهة المال والسلطة؟ كلا؛ ويضرب مثلًا من سيرة موسى وعيسى عليهما السلام، وهما نبيان من أولي العزم ذكرا في هذه السورة مع النبي إبراهيم عليه السلام والنبي محمدصلى الله عليه واله. (الآيات: ٤٠- ٤٥).
فحين أرسل الله النبي موسى عليه السلام بالبينات إلى فرعون وملئه إذا هم منه يضحكون، وكلما أراهم ربنا من آياته طلبوا من موسى عليه السلام أن يدعو ربه، وعهدوا إليه بالإيمان، فلما كشف عنهم العذاب نكثوا عهدهم، واعتمدوا على قيمة الثروة والسلطة الزائلة.
وأثار فيهم فرعون نخوة العصبية وشهوة المال والقوة، واستخفهم فأطاعوه، فانتقم الله منهم وتركهم آية لمن بعدهم (الآيات: ٤٦- ٥٦).
وكذلك كان موقف الجاهليين العرب من النبي عيسى بن مريم عليهما السلام، فحينما ضربه الله مثلًا صالحاً جادل فيه قوم الرسول قائلين: أآلهتنا خير أم هو؟ وكانوا يعرفون الحق، ولكنهم عاندوا، ربما لأنهم اعتمدوا على قيمة الثروة والسلطة، فقدسوا آلهتهم رمز الثروة والسلطة، واستخفوا بابن مريم الذي كان مثال الطهر والزهد، بلى؛ إنه عبد أنعم الله عليه، وجعله مثلًا لبني إسرائيل، ولم يأمرهم بعبادته أبداً.
وبعد أن ينذر ربنا أولئك المعاندين بأنه قادر على أن يهلكهم، ويجعل مكانهم ملائكة في الأرض يعبدونه، يبين بعض جوانب عظمة النبي عيسى عليه السلام بأنه من أشراط الساعة، وأنه قد جاء بالبينات والحكمة والقول الفصل فيما اختلف فيه بنو إسرائيل، وأمرهم بتوحيد الله ربه