من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٥ - إن كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا
تجده يهرب من حاضره إلى ماضيه، ولا يرى إيجابيات عصره، ولا إنجازات معاصريه، ولا يتنعم بفوائده، ولا يقبل التطوير والتجديد .. كل ذلك لأنه قد ارتمى في أحضان التاريخ، يحتمي بكهفه، ويتغنى بأمجاده، ويجتر حوادثه، ويتفاعل معها كما الأسطوانة الجريحة التي تكرر النغمة ذاتها أبدا، وهذا حقا من أعظم علائم التخلف.
فمثلا لم تكن قريش عندما بزغ فجر النبوة تصدق بأن الرسول واحد منهم، يعيش بين ظهرانيهم، يأكل مما يأكلون، ويشرب مما يشربون، يكون أفضل من إبراهيم وموسى وعيسى عليهم السلام ومن عظماء التاريخ، بالرغم من أن القرآن الكريم عند عرضه لقصص أنبياء الله الكرام تراه يعرضها بواقعياتها الإيجابية والسلبية، وكيف كذبهم الناس، ولكن مع ذلك يقدِّسهم من يأتي من بعده، لماذا؟ يبدو أن ذلك للتعويض عن الحاضر بالماضي، الذي يأتي بدوره من منطلق التهرب من تحمل مسؤوليات الواقع الراهن، ذلك لأن الذي يقدس واحدا من عظماء التاريخ لا يكلفه ذلك شيئا كثيرا، أما الذي يحترم قائدا حيا يعيش في عصره فإن ذلك يعني طاعته والتسليم لأوامره.
ومن هذا المنطلق يتحدث القرآن عن قصة إبراهيم مع قومه، عندما تبرأ من عبادة الأصنام، مؤكداً أن عبادة الآباء لها ليس دليلا على شرعيتها، وورث هذا الفكر التحرري أبناءه، وصارت تلك سنة يتوارثها المؤمنون الصادقون عبر التاريخ، أن يؤمنوا بالله، ولا يخضعوا للفساد المستشري بين الناس، الذي تعودوا عليه، ولا يخضعوا للشرعية المزيفة- شرعية الأمر الواقع- الذي يسميه عالمنا السياسي اليوم، مهما كان هذا الواقع صعبا.
بعد ذلك تتحدث الآيات عن النظرة المادية البحتة إلى القيم التي تتساءل مستغربة، فلو أنزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم، رجل من مكة أو آخر من الطائف. لماذا؟ لأن الدنيا مقبلة عليهم، والنظرة المادية إلى القيم نابعة من النظرة المادية للأشياء، فالقيمة كل القيمة في نظر بعض الناس للمادة، أو كأن المادة هي القيمة الأساس التي تعطي الشرعية لسائر القيم.
وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ كانت رسالة إبراهيم عليه السلام ثورة على استمرار الأمر الواقع، ثورة على عبادة الآباء، وتقديس شرعهم ومعتقداتهم وتاريخهم، لذلك قال لأبيه إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ من دون الله. ويعتبر هذا من أهم ما يتميز به إبراهيم الخليل من بين سائر الرسل.
[٢٧] وبتبرؤ إبراهيم عليه السلام مما عبده آباؤه، قطع صلاته بهم، واختط لنفسه ولآله من بعده خطا جديدا نظيفا هو التوحيد.