من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٨٣ - فذكر بالقرآن من يخاف وعيد
أي واحد منا إلا عمله، فإن شاء نقلته سكرة الموت الى غضب الله وعذابه، وإن صلح نقلته الى رضوان الله وثوابه. والإنسان حر في عمله فإما يختار الضلال أي الكفر والفساد ومنع الخير والاعتداء على الآخرين والارتياب في الحق فيكون مصيره النار، وإما يختار التقوى أي الأوبة الى الله، وحفظ حدوده وأحكامه، وخشيته بالغيب، وتصفية القلب من الأدران بالانابة والتوبة فيكون مصيره الجنة.
وَأُزْلِفَتْ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ ونتساءل كيف تزلف الجنة للمتقين؟ والجواب إن لهذه الآية تفسيرين
الأول: إن الجنة بما فيها من نعيم ورضوان من الله منزلة رفيعة، ومهما سعى الإنسان وبالغ في عمل الصالحات فإنه لا يرتقي اليها بعمله وحده، وإنما يقربه منها أو يقربها منه فضل الله ورحمته، قال النبي صلى الله عليه واله
[وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا مِنَ النَّاسِ أَحَدٌ يَدْخُلُ الجَنَّةَ بِعَمَلِهِ
. قَالُوا: وَلَا أَنْتَ يَارَسُولَ الله؟ قَالَ صلى الله عليه واله
وَلَا أَنَا، إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِيَ اللهُ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ
. وَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى فَوْقِ رَأْسِهِ وَطَوَّلَ بِهَا صَوْتَهُ] [١].
وحين يدخل المؤمنون الجنة تتبيَّن لهم هذه الحقيقة كما أدركوها ببصيرة الوحي في الدنيا، فهم يَعُدُّون نجاتهم من العذاب بفضل الله ومنه لا بعملهم قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ (٢٦) فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ (٢٧) إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ [الطور: ٢٦- ٢٨].
الثاني: إن الجنة قمة سامقة لا يصلها الإنسان حتى يتَّصف بما يجعله لائقا لها، فهي بعيدة كل البعد على الكافرين والعاصين، ولكنها أقرب ما تكون إلى المؤمنين والمطيعين، وإن الذي يقرِّبها أو يبعَّدها إنما هو مقدار عمل الإنسان ومجمل صفاته الايمانية التي نقرؤها في الآيات التالية.
وهذا التفسير لا يتعارض مع التفسير السابق بل يلتقي معه وينتهي إليه، فرحمة الله التي هي العامل الأساس والمباشر في الدخول الى الجنة، ولكنها لا تشمل أحدا بلا سبب، بل لابد أن يكون هو في مستوى استيعاب الرحمة.
ولأن من عقد البشر النفسية استعجال النتائج فتراه يكفر بالآخرة ولا يسعى للجنة سعيها لأنها في نظره جزاء بعيد، فقد أكد القرآن على الجنة غَيْرَ بَعِيدٍ.
[١] بحار الأنوار: ج ٧ ص ١١.