من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٩٣ - فاصبر كما صبر أولو العزم
الرسول بعد أن عرفوا صدقه قائلين يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِي اللَّهِ وأشاروا بكلمة يَا قَوْمَنَا أنهم يريدون لهم الخير باعتبارهم من قومهم، ثم أمروا بطاعة الرسول لأنه يدعو إلى الله، وهكذا يؤدبنا القرآن ألا نكرم أحدا أو نطيعه إلا باسم الله وباعتباره داعيا إليه.
وَآمِنُوا بِهِ لعل الإجابة هي التسليم له بصورة مجملة، بينما الإيمان هو العمل برسالته يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ تلك الذنوب التي تراكمت علينا قد ذهبت لذاتها وتلاشت دوافعها، بينما بقيت تبعتها وآثارها على القلب، وعواقبها على المستقبل، لعلنا نسيناها، بيد أن كتاب ربنا قد أحصاها، لذلك كان الخلاص منها غاية منى الموقنين، وأعظم باعث لهم نحو الطاعة للقيادة الشرعية، والجهاد في سبيل إعلاء كلمة الحق، وربما الشهادة في سبيل الله.
وتساءل المفسرون: لماذا قال مِنْ ذُنُوبِكُمْ، أوَلَيس الإسلام يجبُّ ما قبله، مما يعني أن الله يغفر كل الذنوب السابقة عليه؟ ومن هنا قال بعضهم: إن مِنْ زائدة.
ولكن قال الآخرون: إن مِنْ ليست زائدة، وإن مجرد الإسلام لا يطهرِّ صاحبه من تبعات كل الذنوب، بل كلما عمل الإنسان ببعض الواجبات سقطت عنه طائفة من الذنوب حتى لا يبقى منها إلا النزر اليسير، وانطلاقا من هذا التفسير الموافق لظاهر القرآن- حيث إن الظاهر ألا تكون أية كلمة أو حرف زائدة- يجتهد المؤمنون في الأعمال الصالحة لتذهب بالسيئات.
وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ومن ذا الذي يجير العبد من ربه المحيط به علما وقدرة؟! وإذا كان الجن بحاجة إلى من يجيرهم من عذاب الله، فهل يقدرون على إجارة أحد من الإنس ممن يستعيذون بهم؟!
حقا: إننا جميعا نبحث عن الأمن فهل نجده إلا عند ربنا الكريم، ولكن هل يجيرنا الرب من دون طاعة رسوله الداعي إليه؟
[٣٢] وهل يستطيع أحد أن يهرب من حكومة الله، ويخرج من حدود سلطانه؟ أنَّى له ذلك وكل ذرة في وجوده قائمة به سبحانه.
وَمَنْ لا يُجِبْ دَاعِي اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الأَرْضِ فلا يستطيع هربا من عاقبة كفره أنَّى مضى من أطراف هذه الأرض التي هي في قبضة ربها. إنه لا يعجزه فرارا كما يعجز أحدنا الآخر بالانتقال من حدود سيطرته أو علمه وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَولِيَاءُ ينصرونه، بالرغم من أن الإنسان يزعم أن عشيرته أو أسرته أو حزبه وناديه يهرعون إلى مساعدته عندما يتعرض