من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٠٠ - يسألون أيان يوم الدين؟
هدى من الآيات
في سورة الذاريات المكية التي تحتوي على ستين آية مباركة نقرأ قول الله سبحانه وتعالى في الآية السادسة بعد الخمسين وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ، وكما سبق أن نوَّهنا إلى أن بعض الآيات القرآنية تُعدُّ محورا للسياق القرآني في السورة، وربما تكون الآية الواحدة في السورة مفتاحا لفهم السورة بأكملها، والآية (المحور) التي جاءت السورة من أجلها ومن أجل تكريس مفهومها ومضمونها، كما مثلا آية الشورى في سورة الشورى أو آية النور في سورة النور وآية الحديد في سورة الحديد أو ما أشبه.
ولعل الآية الكريمة وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ هي الآية (المحور) في سورة الذاريات، حيث تبعثنا- نحن البشر- إلى التوجه بكليتنا لرب العالمين، والتخلص من الأثقال المادية والأصر النفسية والأغلال الاجتماعية، وفارين إليه من ذنوبنا وجهالتنا، هاربين إلى قوته وقدرته من الضعف والعجز اللذين نرتكس فيهما ارتكاسا.
وإن عبادة الله تعني التحرر من كل عبودية أخرى، من عبودية الهوى والشهوة والمال والسلطة، والتقاليد والأعراف، مما يمنح الإنسان الكرامة التامة، وآنئذ يرتفع إلى مستوى التقرب إلى الله حتى يهب له الرب قدرة لا تحد، وحياة لا تنتهي، جاء في حديث قدسي عن رب العزة سبحانه أنه يقول
[يَا ابْنَ آدَمَ أَنَا غَنِيٌّ لَا أَفْتَقِرُ، أَطِعْنِي فِيمَا أَمَرْتُكَ، أَجْعَلْكَ غَنِيّاً لَا تَفْتَقِرْ. يَا ابْنَ آدَمَ أَنَا حَيٌّ لَا أَمُوتُ، أَطِعْنِي فِيمَا أَمَرْتُكَ أَجْعَلْكَ حَيّاً لَا تَمُوتُ. يَا ابْنَ آدَمَ أَنَا أَقُولُ لِلشَّيْءِ كُنْ فَيَكُونُ، أَطِعْنِي فِيمَا أَمَرْتُكَ أَجْعَلْكَ تَقُولُ لِلشَّيْءِ: كُنْ فَيَكُونُ] [١].
إنه آنئذ يكون خليفة الله ليس في الأرض فقط بل في الطبيعة أيضا، ففي الحديث عن الإمام جعفر بن محمد الصادق عليهما السلام أنه قال
[مَنْ خَافَ اللهَ أَخَافَ اللهُ مِنْهُ كُلَّ شَيْءٍ] [٢].
بينما يكون العكس حينما يعبد غير الله، حيث يصبح ضعيفا حقيرا أمامه، لا يملك من حول أو قوة
[ومَنْ لَمْ يَخَفِ اللهَ أَخَافَهُ اللهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ] [٣].
بينات من الآيات
[١- ٤] تبدأ سورة الذاريات بآيات تشير إلى ما في الكون من مظاهر قدرة الله وتجليات
[١] بحار الأنوار: ج ٩٠ ص ٣٧٩.
[٢] الكافي: ج ٢ ص ٦٨.
[٣] وسائل الشيعة: ج ١٥ ص ٢١٩.