من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٣٥ - ولا يغتب بعضكم بعضا
يُزْرِيَنَّ أَحَدُكُمْ بِأَحَدٍ مِنْ خَلْقِ اللهِ فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي أَيُّهُمْ وَلِيُّ الله] [١].
وجاء في سبب نزول الآية الكريمة: [أن ثابت بن قيس بن شماس وكان في أذنه وَقْر وكان إذا دخل المسجد تفسحوا له حتى يقعد عند النبي صلى الله عليه واله فيسمع ما يقول فدخل المسجد يوما والناس قد فرغوا من الصلاة وأخذوا مكانهم فجعل يتخطى رقاب الناس يقول: تفسحوا تفسحوا حتى انتهى إلى رجل فقال له: أصبت مجلسا فاجلس فجلس خلفه مغضبا فلما انجلت الظلمة قال: من هذا؟ قال الرجل: أنا فلان، فقال: ثابت بن فلانة، ذكر أما له كان يعيَّر بها في الجاهلية فنكس الرجل رأسه حياء فنزلت الآية] [٢].
وعن ابن عباس في قوله وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ: [نزل في نساء النبي صلى الله عليه واله يسخرن من أم سلمة عن أنس وذلك أنها ربطت حقويها بسبنية وهي ثوب أبيض وسدلت طرفيها خلفها وكانت تجر فقالت عائشة لحفصة: انظري ما ذا تجر خلفها كأنه لسان كلب، فهذا كانت سخريتها، وقيل إنها عيَّرتها بالقِصَر وأشارت بيدها أنها قصيرة عن الحسن] [٣].
وفي تفسير علي بن إبراهيم: [أن الآية نزلت في صفية بنت حي بن أخطب، وكانت زوجة رسول الله صلى الله عليه واله وذلك أن عائشة وحفصة كانتا تؤذيانها وتشتمانها وتقولان لها يا بنت اليهودية، فشكت ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه واله فقال لها: أ لا تجيبنهما. فقالت: بماذا يارسول الله؟ قال صلى الله عليه واله: قولي أبي هارون نبي الله، وعمي موسى كليم الله، وزوجي محمد رسول الله، فما تنكران مني. فقالت لهما، فقالتا هذا علمك رسول الله صلى الله عليه واله. فأنزل الله في ذلك يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ .. إلى قوله وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ وقوله يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا] [٤].
وَلا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ اللمز هو العيب. وقال الطبري: [اللمز باليد والعين واللسان والإشارة. والهمز لا يكون إلا باللسان] [٥].
وحين يعيب الواحد منا أخاه ينشر النَّفَس السلبي في المجتمع، ويسقط حرمته، مما يسبب في لمز نفسه أيضا، ولعله لذلك قال ربنا هنا أَنفُسَكُمْ كما قال سبحانه وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ [النساء: ٢٩]. أي لا يقتل بعضكم بعضا أو قال .. فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ ..
[١] بحار الأنوار: ج ٧٢ ص ١٤٧.
[٢] بحار الأنوار: ج ٢٢ ص ٥٣.
[٣] بحار الأنوار: ج ٢٢ ص ٢٢٧.
[٤] تفسير القمي: ج ٢ ص ٣٢٢.
[٥] تفسير القرطبي: ج ١٦ ص ٣٢٧.