من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١١٠ - فإنما يسرناه بلسانك لعلهم يتذكرون
عليه باتجاه معين، ولكن الموقف الحاسم يبقى رهن إرادته وحده، ولكي يتجنب التأثر بالضغوط السلبية صوب الباطل يجب عليه أن يلقي نظرة إلى الآخرة، حيث يخذله الجميع وينفصلون عن نصرته، بل لا يجدون إلى ذلك سبيلا، ويقف هو وحده بعمله.
ثم إن السياق القرآني ينعطف بعد هذا التخويف ليثير فينا الأمل والرجاء، حينما يذكرنا برحمة الله إلى جانب عزَّته، فبعزَّته جعل سنة الجزاء، وبرحمته جعل الشفاعة والمغفرة لهذا الإنسان الضعيف، فقد استثنى من بين سائر الناس الذين تتقطع بهم الوشائج، ويرتهنون بأعمالهم السيئة، أولئك الذين تشملهم رحمته عزَّ وجلَّ فقال إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ فهداه إلى الإيمان، ووفقه للعمل الصالح في الدنيا، وغفر له ذنوبه، وشفع فيه أولياءه في الآخرة، فإنه تغنى عنه شفاعة الصالحين، وينصره الله على العقبات إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ.
قال الشَّحام: قال لي أبو عبد الله عليه السلام ونحن في الطريق في ليلة الجمعة
[اقْرَأْ فَإِنَّهَا لَيْلَةُ الجُمُعَةِ قُرْآناً
فَقَرَأْتُ إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ (٤٠) يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئاً وَلا هُمْ يُنصَرُونَ (٤١) إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ فَقَالَ أَبُوعَبْدِاللهِ عليه السلام
نَحْنُ واللهِ الَّذِي رَحِمَ اللهُ ونَحْنُ واللهِ الَّذِي اسْتَثْنَى اللهُ لَكِنَّا نُغْنِي عَنْهُمْ] [١].
[٤٣- ٤٦] وكنتيجة لحكم الله في يوم الفصل يحدثنا القرآن عن صورتين متناقضتين، وهما صورة أصحاب النار الذين يعانون ألوان العذاب، وصورة أهل الجنة الذين يتقلبون في نعيمها.
أما عن النار فإن من أشدِّ أنواع العذاب فيها شجرة تنبت في أصلها، ويمتد منها غصن لكل شخص فيها، اسمها الزقوم، وهي تجسيد لذنوب أهلها وآثامهم.
إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ (٤٣) طَعَامُ الأَثِيمِ وحيث يشعر أهل الجحيم بشدة الجوع يبحثون عن الأكل، فيجدونه في هذه الشجرة، ولا يجدون بُدَّاً من التقامه، وبمجرد أن يصل إلى جوفهم يصير كالرصاص والنحاس المذاب تنشوي منه وجوههم حتى تسقط أشفار عيونهم، وتتقطع منه أمعاؤهم حتى يتقيَّحون دما، وربنا يشبِّه لنا الزقوم بالمهل لتقريب المعنى إلى أذهاننا المحدودة، وإلا فهي أشد وأعظم من ذلك كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ (٤٥) كَغَلْيِ الْحَمِيمِ والحميم هو الماء الحار جدا، وحيث يصل المعدن كالرصاص أو النحاس إلى حد من الغليان يصير فيه كالماء فإن حرارته لا تطاق.
[٤٧] ولون آخر من العذاب يتجرعه المجرمون حينما يأمر الله زبانية النار بسحبهم إلى
[١] مستدرك الوسائل: ج ٦ ص ١١١.