من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٣٥
ولذلك قيل سفينة معبدة وإنما سمي الطريق معبدا لأنه خال من الثغرات والعثرات، وإلا فإن كل الطرق وكل الأراضي خاضعة وذليلة، فلماذا لا تسمى بالمعبدة؟ وإنما سمي الرقيق عبدا لأنه لا يمتنع عن طاعة مولاه، وهكذا يكون أصل الكلمة الطاعة والتسليم.
فما معنى عبادة الله وما هي أبعادها؟ هنالك حقائق لا بد أن نعرفها لكي نعرف شيئا عن عبادة الله
أولًا: إن ما سوى الله تعالى هو خلق، وهم وأنا سواء في حقيقة المخلوقية ومضمار العبودية؛ فأولئك الذين يخضعون لغير الله، ويتخذون أهواءهم إلههم من دون الله أو يعبدون الطغاة والمترفين، أو يقدسون التراث والتقاليد إنهم بعيدون عن هدف الخلق، لأن عبادة الله تعني تحرير الإنسان من الشركاء من دونه، ولعل الآية التالية تشير إلى ذلك أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلًا [الكهف: ١٠٢]. وقال سبحانه يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ [فاطر: ٣]. وجاء في الحديث المأثور عن الإمام الصادق عليه السلام
[قَالَ خَرَجَ الحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ عليهما السلام عَلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللهَ جَلَّ ذِكْرُهُ مَا خَلَقَ العِبَادَ إِلَّا لِيَعْرِفُوهُ فَإِذَا عَرَفُوهُ عَبَدُوهُ فَإِذَا عَبَدُوهُ اسْتَغْنَوْا بِعِبَادَتِهِ عَنْ عِبَادَةِ مَا سِوَاهُ. فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا ابْنَ رَسُولِ اللهِ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي فَمَا مَعْرِفَةُ اللهِ؟ قَالَ عليه السلام: مَعْرِفَةُ أَهْلِ كُلِّ زَمَانٍ إِمَامَهُمُ الَّذِي يَجِبُ عَلَيْهِمْ طَاعَتُهُ] [١].
وحسب هذا الحديث يكون تحرر الإنسان عن عبادة غير الله الغاية الأسمى للخلق، كذلك نجد توحيد الله المحور الرئيسي لكل سور الذكر وآياته.
ثانياً: إن عبادة الله لا تتم إلا بمعرفته، وإن معرفته لا تكتمل إلا بعبادته، لأن في معرفته التزلف إليه، والتقرب من رضاه. إن التقرب إليه تعالى اتخاذ الوسيلة إلى مرضاته بأسمائه الحسنى وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [الأعراف: ١٨٠]، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [المائدة: ٣٥]، والتي هي معاني الكمال التي لو تجلَّت في الإنسان لبُعِث مكاناً محموداً. فالعالم أقرب إلى ربه إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ [فاطر: ٢٨]، والمؤمن المقتدر خير من الضعيف وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمْ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ [الأنفال: ٦٠]،
[١] بحار الأنوار: ج ٥ ص ٣١٢.