من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٣٢ - مثل الجنة التي وعد المتقون
- وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ [الأنعام: ١١١].
- وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ [الأحقاف: ٢٣].
- وَأَعْرِضْ عَنْ الْجَاهِلِينَ [الأعراف: ١٩٩].
- بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ [النمل: ٥٥].
وكلما ازداد البشر علما ازداد تواضعا، لأنه يعرف حجمه بإزاء سائر ما يعلم من مخلوقات، بينما الجهل سبب التكبر، ولذلك يقول ربنا سبحانه وهو يعالج صفة التكبر في النفس وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحاً إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا [الاسراء: ٣٧].
وكلما ازداد البشر علما ازداد خشوعا لربه، أليست الكائنات مرآة أسماء الله، وتجليات خلقه وقدرته وحكمته؟
وهكذا تتصل كلمات هذه الآية ببعضها، فالعلم يهدينا إلى التوحيد، والتوحيد يهدينا إلى الاستغفار، لأن الاستغفار هي حالة النفس عند معرفة الرب، ووعي قدرته وهيمنته وعظمته، إنه الإحساس بالتقصير في مقام الألوهية، إنه الإحساس بالذنب المقرون بالتطلع نحو الإصلاح، وأي سلَّم أفضل لبلوغ درجة القبول عند رب العزة من معراج التوبة، أم أي تحية أكرم عند لقاء العبد بربه من التسليم، وأي حالة تسليم أفضل من الاستغفار. ثم إن الكبر هو الحجاب الأكبر الذي يمنع إشراقة نور الحق على جنبات الفؤاد، وأي علاج أنجح من الاستغفار لاقتلاع جذوره.
ليس من اليسير القضاء على كبر النفس، لأن منشأ الكبر هو الجهل، والجهل هو من ذات النفس، ومرتكز في صميم خلقته، وإنما بدوام الاستغفار من الذنب نستطيع القضاء على الجهل ومظهره المتمثل في الكبر. والذي يستغفر لذنبه يزداد تقوى وورعا من العودة إليه، كما يزداد عزما لتنفيذ واجبات الدين واجتناب محرماته.
ويتساءل البعض: كيف أُمِرَ الرسول صلى الله عليه واله بالاستغفار؟ أوَلَيس هو المعصوم من كل ذنب؟ بلى، ولكن
أولًا: ليكون قدوة لأمته في الاستغفار.
ثانياً: لأن الحضور في مقام الرب يستدعي الاستغفار، لأنه المعراج إلى المزيد من الكمال، ولأنه- أيضاً- الحبل الممتد بين الربِّ والعبد حتى لو كان الفرد غير مذنب بالذنوب المعروفة.