من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٠ - إن كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا
البعض بالرسالة، ولا يجوز أن يعترض عليه في ذلك.
الثانية: أن المال ليس أساسا سليما للتقييم، بل رحمة الله المتمثلة في الرسالة هي الأفضل، وهي- وليس المال- دليل حب الله لعبده، وتخصيصه بفضله.
أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ إن النبوة رحمة الله فهل فوض إليهم أمر تقسيمها بين عباده؟ كلا .. فالله قسم المعيشة بينهم، فقد أعطى لكل شخص معيشته، حسب حكمته، ولا يحق لأحد الاعتراض عليه، وبالذات المترفون تراهم لا يعترضون على الله في تقدير المعيشة لهم، فكيف يعترضون فيما هو أهم من المعيشة وهو رحمة الله المتمثلة في النبوة.
نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا إن الله لم يعط الكمالات لجميع الناس، بل أعطى المال والولد، وجعل بعضهم شريفا، وأعطى لمن يشاء الملك، ومنع عنه سائر النعم، فمثلا سليمان عليه السلام الذي سخر الله له الجن والطير والريح لم يرزق ولدا على شدة حبه له.
ونستوحي من قوله سبحانه نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ أن تقسيم المواهب والنعم كان بحيث تصلح حياتهم وعيشهم، فأعطى ربنا كل واحد من الناس موهبة يحتاج الآخرون إليه فيها.
إذن عندما أعطى ربنا الوليد بن المغيرة وعروة بن مسعود الثقفي المال والغنى؛ فليس لأنهما أقرب الناس إليه أو أنه يحبهما ويكره غيرهما، وإنما لأن الحياة قامت على أساس الحاجة المتبادلة بين الناس، ولا يستغني أحد عن أحد، ولذلك عندما سمع الإمام زين العابدين عليه السلام رجلا يدعو قائلا: [اللَّهُمَّ أَغْنِنِي عَنْ خَلْقِكَ. فَقَالَ عليه السلام
لَيْسَ هَكَذَا إِنَّمَا النَّاسُ بِالنَّاسِ، وَلَكِنْ قُلِ: اللَّهُمَّ أَغْنِنِي عَنْ شِرَارِ خَلْقِكَ] [١].
وجاء في الحديث عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال
[اللهُمَّ ولَا تَجْعَلْ لِي حَاجَةً إِلَى أَحَدٍ مِنْ شِرَارِ خَلْقِكَ ولِئَامِهِمْ فَإِنْ جَعَلْتَ لِي حَاجَةً إِلَى أَحَدٍ مِنْ خَلْقِكَ فَاجْعَلْهَا إِلَى أَحْسَنِهِمْ وَجْهاً وخَلْقاً وخُلُقاً وأَسْخَاهُمْ بِهَا نَفْساً وأَطْلَقِهِمْ بِهَا لِسَاناً وأَسْمَحِهِمْ بِهَا كَفّاً وأَقَلِّهِمْ بِهَا عَلَيَّ امْتِنَاناً]
[٢]. والحكمة من هذه الحاجة المتبادلة انتفاع بعضهم من بعض، وهذا تفسير قوله تعالى وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيّاً والسخرة هو الاستخدام، فقد خص كل أناس بموهبة لتتكامل الحياة، إذ لو جعل الله كل الناس مكتفين في كل شيء لكانوا يطغون ويتكبرون، لأن بعض الناس وهم محتاجون بشدة إلى الآخرين تراهم يقولون
[١] بحار الأنوار: ج ٧٥ ص ١٣٥.
[٢] بحار الأنوار: ج ٨٣ ص ٢٢٨.