من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٩٥ - فاصبر كما صبر أولو العزم
بلى، لأننا نشهد في كل أفق من آفاق هذه الخليقة الواسعة تجدد الحياة بعد الموت، فهذا الربيع حيث تحيا الأرض بعد موتها، وتستيقظ الأشجار بعد همودها، تشهد بقدرة البارئ التي تحيط بكل شيء.
إن التنوع الهائل الذي يعجز البشر عن إحصائه في الخلق: من أقسام الأحجار والمعادن والأتربة وصنوف الأحياء، ومن الفيروس حتى الفيل، ومن أصغر خلية حية في البحر حتى الحوت العظيم، ومن أصغر حشرة طائرة حتى النسور والعقبان.
واختلاف البشر خلقا، وتقلبهم من حالة النطفة حتى بلوغ مرحلة الاكتمال.
ثم ما أوتينا علمه من عظيم خلق السماوات التي لو قيست أرضنا بها لكانت كحبة رمل في صحراء واسعة. كل ذلك يرينا جانبا من قدرة الله، وأنه سبحانه لا يعجزه شيء أبدا .. فهل يستحيل عليه أن يحيي الموتى؟!
بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وقدرة الله تنبسط على الخليقة، حتى لا تدع شيئا يتصوره البشر إلا وقد خلقه ربنا، وأكمل خلقه، وخلق له صنوفا وأنواعا. سبحان ربنا وتعالى!
[٣٤] وما عسى أن ينفع التكذيب؟ هل يذهب نور الشمس لو احتجبت عنه؟! هل يدرأ خطر الموت عن نفسه من يكذب به، أم أنه بتكذيبه يقربه إلى نفسه أكثر فأكثر؟!
هكذا من يكذِّب بالآخرة لا يدرأ عن نفسه عذابها، بل يزداد إثما بتكذيبه واستحقاقا للعذاب أكثر فأكثر. وحين يحس جحدة البعث بحرارة النار، ويرون بأم أعينهم جبالا من اللهب الذي يتميز من الغيظ في جهنم حتى لتكاد قلوبهم تنخلع من شهيقها وزفيرها، يومئذ يؤمنون بالعذاب، ولكن بعد فوات الأوان.
وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ إنها عاقبة من كفر بالعذاب، وجحد بالبعث، وتساءل مستنكرا: كيف يحيي الله الموتى؟!
حقا: مجرد تصور تلك اللحظة التي يأتي الله بالكفار ليشهدوا جهنم ونيرانها الملتهبة يكفي للتصديق بها. أو تدري لماذا؟ لأن أساس الكفر بالآخرة قائم على الغفلة، والاسترسال مع الهوى، والاستهزاء بالحق، فيكون تصور هذا العذاب المهيب كافيا لزعزعة أساس الكفر، وتنبيه الإنسان إلى ضرورة التفكر الجدي، وإيقاف استرساله الخطير مع الشهوات، ومن ثَمَّ إسقاط حجب الغرور عن عينه ليرى بها الحقائق مباشرة.