من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٤١ - ولا يغتب بعضكم بعضا
أَلِيمٌ] [١].
سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللهِ عليه السلام عَنِ الغِيبَةِ، قَالَ
[هُوَ أَنْ تَقُولَ لِأَخِيكَ فِي دِينِهِ مَا لَمْ يَفْعَلْ وتَبُثَّ عَلَيْهِ أَمْراً قَدْ سَتَرَهُ اللهُ عَلَيْهِ لَمْ يُقَمْ عَلَيْهِ فِيهِ حَدٌّ] [٢].
وفي هذا النص نرى كيف تعمُّ كلمة الغيبة لتشمل البهتان وكيف أنها تخص العيوب المستورة، أما العيب المتجاهر به صاحبه فإن ذكره لا يعد غيبة، وهكذا جاء في رواية مرسلة عن أبي الحسن عليه السلام أنه قال
[مَنْ ذَكَرَ رَجُلًا مِنْ خَلْفِهِ بِمَا هُوَ فِيهِ مِمَّا عَرَفَهُ النَّاسُ لَمْ يَغْتَبْهُ ومَنْ ذَكَرَهُ مِنْ خَلْفِهِ بِمَا هُوَ فِيهِ مِمَّا لَا يَعْرِفُهُ النَّاسُ اغْتَابَهُ ومَنْ ذَكَرَهُ بِمَا لَيْسَ فِيهِ فَقَدْ بَهَتَهُ] [٣].
وهكذا لم يجعل الإسلام للفاسق المتجاهر بفسقه حرمة. جاء في رواية نبوية
[اذْكُرُوا الفَاجِر بِمَا فِيهِ كَيْ يَحْذَرُهُ النَّاس] [٤].
أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ هكذا الغيبة. أرأيت أن شخصية الإنسان أعظم عنده أم شخصه؟ أليس المرء يسعى جهده من أجل الكرامة والتقدير، فإذا اغتابه أحد فقد اغتال شخصيته، ونال من كرامته وهي أعز من جسده، ولأنه ليس في محضره فكأنه أكل لحمه بعد موته.
بالله ما أروع هذا التشبيه؟ وما أنفذه من تحذير في وجدان الإنسان الحر. وكيف يقرِّب كتاب ربنا الحقائق العظيمة إلى وعينا، بهذه البلاغة النافذة .. وكيف يبصرنا بأن البشر ليس كسائر الأحياء يعيش حياة مادية ضمن حدود بدنه فحسب، بل إنه يمتد مع سمعته وشهرته أنَّى توسعت في أفق المكان والزمان .. وقد يضحِّي الإنسان بجسده في سبيل كرامته، أوَلَا يدل ذلك على أن كرامة الإنسان أعظم عنده من شخصه؟ من هنا فإن الاعتداء عليها ليس بأقل من الاعتداء على بدنه .. والغيبة اعتداء سافر على كرامة الشخص فما أشدها حرمة؟.
من هنا جاءت النصوص تترى في التحذير من الغيبة باعتبارها أكلا للحم المغتاب بعد موته.
روي أن ماعزا جاء إلى النبي صلى الله عليه واله فشهد على نفسه بالزنا فرجمه رسول الله صلى الله عليه واله فسمع نبي الله رجلين من أصحابه يقول أحدهما للآخر: انظر إلى هذا الذي ستر الله عليه فلم تدعه
[١] الكافي: ج ٢ ص ٣٥٧.
[٢] بحار الأنوار: ج ٧٢ ص ٢٤٠.
[٣] الكافي: ج ٢ ص ٣٥٨.
[٤] مجمع البيان: ج ٩ ص ٢٢٤.