من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٤٣ - ولا يغتب بعضكم بعضا
ومَنْ لَاتُقْبَلُ. فَقَالَ عليه السلام
يَا عَلْقَمَةُ كُلُّ مَنْ كَانَ عَلَى فِطْرَةِ الإِسْلَامِ جَازَتْ شَهَادَتُهُ
. قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ: تُقْبَلُ شَهَادَةُ مُقْتَرِفٍ بِالذُّنُوبِ. فَقَالَ عليه السلام
يَا عَلْقَمَةُ لَوْ لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَةُ المُقْتَرِفِينَ لِلذُّنُوبِ لَمَا قُبِلَتْ إِلَّا شَهَادَةُ الأَنْبِيَاءِ والأَوْصِيَاءِ عليهم السلام، لِأَنَّهُمُ المَعْصُومُونَ دُونَ سَائِرِ الخَلْقِ فَمَنْ لَمْ تَرَهُ بِعَيْنِكَ يَرْتَكِبُ ذَنْباً أَوْ لَمْ يَشْهَدْ عَلَيْهِ بِذَلِكَ شَاهِدَانِ فَهُوَ مِنْ أَهْلِ العَدَالَةِ والسَّتْرِ وشَهَادَتُهُ مَقْبُولَةٌ وإِنْ كَانَ فِي نَفْسِهِ مُذْنِباً ومَنِ اغْتَابَهُ بِمَا فِيهِ فَهُوَ خَارِجٌ مِنْ وَلَايَةِ اللهِ دَاخِلٌ فِي وَلَايَةِ الشَّيْطَانِ] [١].
إن الإسلام يريد أن يقوم المجتمع على أساس الثقة، فمن زعزع هذا الأساس وأشاع جو اللا ثقة بين أعضائه فقد برئ من ولاية هذا المجتمع المسلم التي هي ولاية الله، وانتمى إلى الأعداء.
ومن هنا يؤكد الإسلام أن المغتاب ينفصل عمن يغتابه، لأنه تنقطع العصمة بينهما. فقد روي عن رسول الله صلى الله عليه واله أنه قال
[مَنْ مَدَحَ أَخَاهُ المُؤْمِنَ فِي وَجْهِهِ واغْتَابَهُ مِنْ وَرَائِهِ فَقَدِ انْقَطَعَ مَا بَيْنَهُمَا مِنَ العِصْمَةِ] [٢].
وفي حديث مأثور عن الإمام الصادق عليه السلام أنه قال
[لَا يَطْمَعَنَّ المُغْتَابُ فِي السَّلَامَةِ]
[٣]. ولعل السبب في ذلك أن من يتتبَّع عيوب الناس يستثير عدوانهم، أو لأنه يخلق المجتمع المفكك الذي لا يحلم في السلامة.
وقد جعلت بعض النصوص الدينية الغيبة أشد من الزنا، ربما لأن آثار الغيبة الخطيرة في تفرقة الناس والنيل من كرامتهم، وإشاعة الفاحشة أشد من آثار الزنا، لأن الحكمة المأثورة في حرمة الزنا هي اختلاط المياه وهدم الأسرة مما يسبب في تفكك المجتمع، وهذه حكمة حرمة الغيبة أيضا، ولكن يبدو أن الغيبة أفتك بوحدة الأمة من أختها الزنية.
وقد أمر الإسلام بأن يستحلَّ المغتاب من صاحبه حتى يغفر الله له، لأن ذلك- فيما يبدو- يعيد العصمة المقطوعة بينهما ويسبب في إعادة اللحمة إلى المجتمع، بالإضافة إلى أن ذلك يكون رادعا للمغتاب أن يعود إلى مثل ذلك مرة أخرى.
قال النبي صلى الله عليه واله
[الغِيبَةُ أَشَدُّ مِنَ الزِّنَا
. فَقِيلَ يَارَسُولَ اللهِ: ولِمَ ذَلِكَ؟ قَالَ
أَمَّا صَاحِبُ الزِّنَا فَيَتُوبُ، فَيَتُوبُ اللهُ عَلَيْهِ، وأَمَّا صَاحِبُ الغِيبَةِ فَيَتُوبُ، فَلَا يَتُوبُ اللهُ عَلَيْهِ، حَتَّى يَكُونَ
[١] وسائل الشيعة: ج ٢٧ ص ٣٩٥.
[٢] بحار الأنوار: ج ٧٢ ص ٢٤٩.
[٣] بحار الأنوار: ج ٧٢ ص ٢٥٠.