من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣١ - أولو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم
دوافع ضاغطة، والخطأ هو أنها تسلب إرادة الإنسان.
صحيح أن للاقتصاد أثرا كبيرا على قلب الإنسان، وأن الناس عبيد الدنيا، وأنهم يحوطون بدينهم ما درَّت معايشهم، ولكن الخطأ هو الحتمية الاقتصادية التي زعمت أن الإنسان محكوم كليا بطرق الإنتاج.
وهكذا للاجتماع جاذبية هائلة، ولكنها لا تحتم على الإنسان شيئا، وكذلك التاريخ يسوق البشر في اتجاهه دون أن يكرهه على ذلك إكراها.
ولولا قدرة الإنسان على تحدي العوامل الضاغطة لما بنى حضارة، ولا تقدم شبرا، ولما استطاع الرواد أن يخرقوا جدر التخلف بسهام التجديد، وما قدر المصلحون أن يغيروا الواقع السياسي الفاسد، ولا انتصر الرسل على الجاهليين الذين كانوا يملكون وسائل الإنتاج، وأجهزة الإعلام، وجاذبية المجتمع.
[٢١] ومن الحتميات الموهومة الحتمية التاريخية، ولا يعترف الدين بالتاريخ والتراث وتقاليد الآباء إلا بقدر ما فيه من هدى الله الموحى به عبر رسالاته، ولذلك نجد الذكر الحكيم يذكرنا بأنهم ما داموا لا يملكون كتابا يستمسكون به فلا قيمة لماضيهم أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَاباً مِنْ قَبْلِهِ من قبل القرآن الذي يجادلون فيه فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ.
[٢٢] كلا .. إن اعتمادهم ليس على العلم لأنه مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ ولا على كتاب، إنما على تقاليد بالية.
بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ على طريقة يأتم بعضهم بالبعض فيها وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ نحن سائرون على آثارهم فنحن إذا مهتدون.
كلا .. إن الآباء لم يكونوا أنصاف آلهة، ولا شرعية لعملهم، ولا هدى في آثارهم من دون علم أو كتاب.
[٢٣] وهذه عادة باطلة درج عليها المترفون حينما بعث الله إليهم الأنبياء وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ فلربما كانت عقيدة الآباء منحرفة، ولربما كانت صحيحة ولكن في وقتها، إذ إن تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ [البقرة: ١٣٤]. أو قد يكونوا صالحين ولكن مع تقادم الزمن حرفت عقائدهم.
وهذه الآية تبيَّن لنا أن الناس انقسموا تجاه أنبيائهم إلى قسمين: قسم اتبع الأنبياء، وهم