من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٦٨ - وما أنا بظلام للعبيد
إن المنهج السليم هو الذي يجعل الإيمان بالله ومعرفته منطلقا لسائر المعارف، وليس الذي يجعل المعارف والحقائق الأخرى دليلا إلى الله، لان الله أجلى وأظهر من كل شيء. قال الإمام الحسين عليه السلام
[إِلَهِي مَا أَقْرَبَكَ مِنِّي وَأَبْعَدَنِي عَنْكَ وَمَا أَرْأَفَكَ بِي فَمَا الَّذِي يَحْجُبُنِي عَنْكَ إِلَهِي عَلِمْتُ بِاخْتِلَافِ الآثَارِ وَتَنَقُّلَاتِ الأَطْوَارِ أَنَّ مُرَادَكَ مِنِّي أَنْ تَتَعَرَّفَ إِلَيَّ فِي كُلِّ شَيْءٍ ..]
. إلى أن يقول
[إِلَهِي تَرَدُّدِي فِي الآثَارِ يُوجِبُ بُعْدَ المَزَارِ فَاجْمَعْنِي عَلَيْكَ بِخِدْمَةٍ تُوصِلُنِي إِلَيْكَ كَيْفَ يُسْتَدَلُّ عَلَيْكَ بِمَا هُوَ فِي وُجُودِهِ مُفْتَقِرٌ إِلَيْكَ أَ يَكُونُ لِغَيْرِكَ مِنَ الظُّهُورِ مَا لَيْسَ لَكَ حَتَّى يَكُونَ هُوَ المُظْهِرَ لَكَ مَتَى غِبْتَ حَتَّى تَحْتَاجَ إِلَى دَلِيلٍ يَدُلُّ عَلَيْكَ وَمَتَى بَعُدْتَ حَتَّى تَكُونَ الآثَارُ هِيَ الَّتِي تُوصِلُ إِلَيْكَ؟]
. ثم إن الإمام عليه السلام يخاطب ربه بطريقة توحي الاعتذار منه تعالى، جعله المخلوقات دليلا على الله، مبيِّنا أنه لم يكن يعمد إلى ذلك لولا أمره عزَّ وجلَّ بالنظر إليها، وهو مع ذلك يطلب منه أن يرفعه إلى الدرجة الأصح والأفضل من المعرفة، فيقول
[إِلَهِي أَمَرْتَ بِالرُّجُوعِ إِلَى الآثَارِ فَارْجِعْنِي إِلَيْكَ بِكِسْوَةِ الأَنْوَارِ وَهِدَايَةِ الِاسْتِبْصَارِ حَتَّى أَرْجِعَ إِلَيْكَ مِنْهَا كَمَا دَخَلْتُ إِلَيْكَ مِنْهَا مَصُونَ السِّرِّ عَنِ النَّظَرِ إِلَيْهَا وَمَرْفُوعَ الهِمَّةِ عَنِ الِاعْتِمَادِ عَلَيْهَا] [١].
ولا يرتقي إلى هذه المعرفة إلا من عبد الله حق عبادته وتاب إليه كلما أخطأ.
[٩- ١١] ثم لينظر الإنسان إلى قطر السماء حينما ينزله الله فيحيي به الأرض، إن ذلك مثل قريب على البعث يوم القيامة وَنَزَّلْنَا مِنْ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكاً ينطوي على الخير والفضل، والبركة في اللغة تعني النماء والتكامل، وهو بالفعل فور ما ينزل الغيث يفجر خيرات الأرض، فإذا بها بعد أن كانت صحراء قاحلة تنفرش بحلة خضراء.
فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ والجنات هي الأشجار الكبيرة التي تدوم كالرمان والعنب، بينما حبّ الحصيد إشارة إلى الزروع التي يحصدها الإنسان كل عام ليزرع غيرها في الأعوام اللاحقة كالحنطة والشعير والذرة.
وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ أي طويلة مرتفعة بسوقها لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ والطلع هو عروق النخل أول طلوعها بين الليف والسعف. أما النضيد فهو المنظم وهو حال الطلع مما يجعله أفضل في نمائه.
ونستفيد من الآيتين إن مجرد نزول المطر لا يكفي لخروج الجنان والحب والنخيل من
[١] بحار الأنوار: ج ٩٥ ص ٢٢٥ دعاء يوم عرفة.