من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٦ - ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا
ونستوحي من الآية بصيرتين
الأولى: إن الخطوة الأولى في سبيل الضلال كما في طريق الهدى يخطوها الإنسان بكامل حريته، فإذا عشا عن ذكر الرحمن أضلُّه الله بقرين السوء، وإذا تذكر بصره وأعاذه من شر الشيطان.
إذن فمسؤولية الإنسان الكبرى هي اختيار الهداية بالاستعاذة بالله، بالإقلاع عن حالة التكبر الدونية إلى سماء العبودية لله.
الثانية: لا يلغي مسؤولية الإنسان عن عقائده وأفعاله أنه يحسب أنها صحيحة مادام هذا الحسبان آت من تزيين الشيطان. إنه كمن يلقي نفسه من شاهق يتحمل مسؤولية عمله حتى ولو فقد الاختيار أثناء دحرجته بين الصخور. لماذا؟ لأنه هو الذي سلب نفسه القدرة حين رمى بنفسه من علٍ .. كذلك الذي يرفض الالتجاء إلى الله فيقيِّض الله له شيطانا يضله. إنه لا يزال مسؤولا عن ضلالته لأن بدايتها منه.
وهكذا مجرد الاعتقاد بشيء لا يبرِّر المضي فيه ما لم يعتمد على منهج سليم، وإلا فكثير من المجرمين يَعُدُّن أفعالهم صالحة.
[٣٨] إذا أردت أن تعرف حقيقة شيء في الدنيا فانظر كيف يتجسَّد في الآخرة، إذ إن تلك الدار هي المقياس. إنها الحصاد الأكبر بينما الدنيا مزرعة وهل يعرف الزرع إلا بالحصاد!
وإنما يصوِّر لنا كتاب ربنا مشاهد الآخرة، ويبثُّ في كل موضوعة صورا مناسبة لها من واقع الآخرة، بهدف جعلها مقياسا، ولعلنا نقترب أكثر فأكثر إلى حقائق الخلق، ولا ننظر إلى ظاهر من الحياة الدنيا.
وهنا في سورة الزخرف حيث تبيِّن آياتها المحور السليم للحياة وهو التوحيد، لا المال ولا الصداقة القائمة على أساسه، ويكشف عن مزالق الانحراف التي من بينها أصدقاء السوء أو البيئة الاجتماعية، وبخاصة حين يود المرء مجاراة المنحرفين بسبب البريق المادي الذي يحيط بهم، أو بسبب التآلف الاجتماعي. ويبيِّن لنا القرآن مشهدا من مشاهد الصراع القائم هنالك بين أصدقاء السوء هنا، فيقول حَتَّى إِذَا جَاءَنَا وحضر عند ربه هذا الذي عشا عن ذكر الله قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ يتمنى يومئذ أن يكون بينهما ما بين المشرق والمغرب لما يجد من سيئات الاقتران به.
[٣٩] كلا .. لا ينفع التبرؤ من البعض، ولا ينفع التبرير، لأن الظلم قد وقع فعلا بكامل