من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٧٦ - ووصينا الإنسان بوالديه إحسانا
الآية هو بيان نوعين من البلوغ
ول: البلوغ الأولي الذي يجعل الفرد مستعدا لدخول الحياة.
الثاني: البلوغ الأتم الذي يحدث عند سن الأربعين حيث يكتمل نمو خلايا المخ، وتتراكم تجارب الحياة، ويكون الإنسان في قمة عمره حيث ينحدر من بعدها شيئا فشيئا إلى نهايته، ومن هنا جاء في الحديث أن الشيطان يمسح يده على وجه من زاد على الأربعين ولم يتب، ويقول: بأبي وجه لا يفلح ( [١].
ويؤيد ذلك أن الإنسان يمثل في العقد الأربعين من عمره دور الولد الذي أكمل الوالدان دورهما في نموه وتطوره، كما يمثل الوالد الذي ذاق- بدوره- الصعوبات التي تحملها والداه في أمره فعرف قدرهما، ووعى قدر النعم التي أسبغها الله عليه. فطفق يشكر الله شكرا جزيلا، ولكنه كلما ازداد وعيا بالحياة ومشاكلها عرف عجزه عن أداء شكر الله فأخذ يدعو الله أن يوفقه لشكرهما بفضله، لأن منبعث الشكر الرؤية الإيجابية إلى الحياة، وهي تطلق قدرات الإنسان من عقال اليأس والتشاؤم والسلبية، وتزرع في قلبه حب السعي، وروح النشاط، وهمة التقدم، والتطلع إلى الأهداف السامية.
وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ ونستوحي من الآية مقياسين لصلاح العمل: المقياس الذاتي الذي يتمثل في فائدة العمل وصحته بحكم العقل والعرف، والمقياس الشرعي الذي يتمثل في مرضاة الله التي نعرفها بالقيم الدينية .. والمؤمن يتطلع لتحقيق العمل الصالح في ذاته الذي يقربه شرعا إلى الله، وهو بالطبع ليس كل عمل صالح، بل الذي يقع ضمن استراتيجية الرسالة، فمثلا: تعبيد الطرق عمل صالح، إلا أنه قد لا يكون مرضيا عند الله، كما لو ابتغى الفرد منه علوا في الأرض أو فسادا، كذلك حين يكون هذا الفعل الصالح معارضا لعمل أولي كالدفاع عن الوطن أو مقاومة الطاغية.
وهكذا يدعو الإنسان السوَّي ربه التوفيق للقيام بعمل صالح مرضي عنده وليس كل عمل صالح، كما يدعو إلى أن يكون امتداده في الحياة وذريته من الصالحين. لقد سهر الآباء لتربية هذا الجيل على الفضيلة والتقوى، وأنفقوا في سبيل إنشاء المدارس والمعاهد، وتوفير الثقافة الحكيمة، وبناء الجوامع ومراكز التوعية والتوجيه، وقد أثمرت جهودهم في بناء هذا الجيل الصالح. أفلا نسعى نحن في سبيل بناء الجيل الصاعد على ذات الأسس الصالحة؟ بلى، إن ذلك هو الشكر العملي على نعمة الصلاح التي أسبغها علينا الرب.
[١] مستدرك سفينة البحار: ج ٤ ص ٦٤.