من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٧٧ - وأثابهم فتحا قريبا
كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ وهذا جزاؤكم الطبيعي.
ولأن هؤلاء مجبولون على التبرير فإنهم لن يعترفوا بواقعهم، وإنما سيحاولون التستر بأعذار لا تنفع، شبيهة بتلك التي برروا بها تخلفهم عن المسير والقتال من قبل فَسَيَقُولُونَ وهم يتهمون المؤمنين والقيادة الرسالية التي تجسدت يومئذ في الرسول صلى الله عليه واله بَلْ تَحْسُدُونَنَا ومن ثَمَّ فإنكم تريدون من رفض انتمائنا إليكم التفرد بالمكاسب، وفي مقابل هذه التهمة يأتي الرد الإلهي الحاسم بأنهم غارقون في الجهل.
بَلْ كَانُوا لا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا ويدل على ذلك أمران
الأول: وقد عالجته الآية في مطلعها، وهو جهل هؤلاء بأن الانتهازي الذي يترك جماعته في ساعة الحرج لا يمكن أن يحتسب منهم في الرخاء كأمر واقعي، وبالذات في المجتمع العربي الذي يعد ذلك من صميم عاداته وتقاليده آنذاك.
فمن كان يتخلَّى عن عشيرته عند الشدة كانوا ينبذونه نبذا تاما، ويحرِّمون عليه حتى الزواج منهم!.
وقد يشير إلى هذا الأمر خاتمة الآية التي نحن بصدد تفسيرها، حيث تؤكد بأن المخلفين ساذجون لا يستطيعون سبيلا إلى فهم الحقائق.
الثاني: الذي يدل على جهلهم أنهم ينسبون الحسد إلى شخص الرسول صلى الله عليه واله مع اعتقادهم بأنه مرسل من الله عز وجل، وهل الرسول يذنب أو يتمحور حول نفسه حتى يسعى وراء المغانم؟!
وإذا افترضنا أنهم لا يؤمنون به رسولا من الله، ولا قائدا حقيقيا، فلماذا يتبعونه، ويريدون القتال تحت لوائه؟!
ولعل تفسير خاتمة الآية أن هؤلاء لا حظ لهم من الوعي إلا القليل، لأنهم ضلوا الطريق العام فلا تنفعهم معرفتهم ببعض الطرق الفرعية، ذلك لأن محور حقائق العلم هو معرفة الله، وسننه الحق، وبصائر رسالاته، فإذا أخطاؤا المحور فلا جرم أنهم يتيهون في الضلالات.
وماذا ينفع العلم بكافة الحقول العلمية إذا كان الخط العام لحياة الإنسان خاطأ؟ أرأيت كيف يوجِّه المستكبرون كل علمائهم فيما يبعدهم عن الله، ويسبب هلاكهم وهلاك العالم؟
فمجمل أفكارهم خاطأ، وبتعبير آخر إن قلة الوعي هنا نوعية لا كمية.