من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٤٩ - فلله الحمد وله الكبرياء
عرفوا آماد قبحها، وعاينوا جسيم عاقبتها.
ونتساءل: لماذا قال ربنا وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا، ولم يقل: وبدا لهم سيئات عملوها؟.
ربما لأنهم في الآخرة لا تبدو لهم الأعمال السيئة بنفسها، ولكن نتيجة عمل السيئات من آثار مدمرة أو تجسمها كالحيَّات والعقارب والحميم والعذاب.
وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون ففي الآخرة تنزل بهم نتيجة الاستهزاء، وتحيط بهم إحاطة السوار بالمعصم، وقد قال البعض أن كلمة وَحَاقَ مشتقة من مادة الحق، ويكون معناها آنئذ أن ذلك الذي سخروا منه- زعما بأن باستطاعتهم التهرب منه- قد نزل بهم، وأصبح حقا واقعا لا مناص من الاعتراف به.
[٣٤] وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا لقد تغافلوا عن الآخرة ونعيمها حتى كأنهم نسوها، وهناك يغفل عنهم حتى لكأنهم منسيون، فلا يقدِّر لهم خير، ولا يدفع عنهم ضر، جزاء وفاقا لتناسيهم الحق، وإمعانا في إذلالهم عقابا على استكبارهم.
وبالطبع لا يعني نسيان الله جهله بهم، كما لا يدل نسيانهم جهلهم بالآخرة، قد ذُكِر في الرواية [جَاءَ بَعْضُ الزَّنَادِقَةُ إِلَى أَمِير المُؤْمِنيِنَ عليه السلام وَقَالَ: لَو لَا مَا فِي القُرْآنِ مِنَ الاخْتِلَافِ وَالتَّناقُضِ لَدَخَلْتُ فِي دِينِكُم. فَقَالَ لَهُ عَليٌّ عليه السلام
وَمَا هُوَ؟
قَالَ: قَوْلُهُ تَعَالَى نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ [التوبة: ٦٧]، وَقَولُه فَالْيَوْمَ نَنسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا [الأعراف: ٥١]، وَقَولُه وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً [مريم: ٦٤] ... إلخ.
قال أمير المؤمنين عليه السلام
[فَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى
نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ
يَعْنِي إِنَّمَا نَسُوا اللهَ فِي دَارِ الدُّنْيَا لَمْ يَعْمَلُوا بِطَاعَتِهِ فَنَسِيَهُمْ فِي الآخِرَةِ أَيْ لَمْ يَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ ثَوَابِهِ شَيْئاً فَصَارُوا مَنْسِيِّينَ مِنَ الخَيْرِ. وَكَذَلِكَ تَفْسِيرُ قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ
فَالْيَوْمَ نَنسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا
يَعْنِي بِالنِّسْيَانِ أَنَّهُ لَمْ يُثِبْهُمْ كَمَا يُثِيبُ أَوْلِيَاءَهُ الَّذِينَ كَانُوا فِي دَارِ الدُّنْيَا مُطِيعِينَ ذَاكِرِينَ حِينَ آمَنُوا بِهِ وَبِرَسُولِهِ وَخَافُوهُ بِالغَيْبِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ
وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً
فَإِنَّ رَبَّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى عُلُوّاً كَبِيراً لَيْسَ بِالَّذِي يَنْسَى وَلَا يَغْفُلُ بَلْ هُوَ الحَفِيظُ العَلِيمُ وَقَدْ يَقُولُ العَرَبُ قَدْ نَسِيَنَا فُلَانٌ فَلَا يَذْكُرُنَا أَيْ إِنَّهُ لَا يَأْمُرُ لَهُمْ بِخَيْرٍ وَلَا يَذْكُرُهُمْ بِهِ ..][١].
[١] بحار الأنوار: ج ٩٠، ص ٩٨- ٩٩.