من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤١٩ - وفي السماء رزقكم وما توعدون
إن استجابة الدعاء في الذرية التي نزلت بها الملائكة كانت أعظم نعمة ينزلها الله على بشر، فلقد وهب الله له غلاما زكيا يرفع اسمه، ويصبح امتدادا لرسالته كما أن الوعد بإهلاك قوم لوط كان أعظم ما ينتظره الرسول بعد أن يكمل رسالته.
هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ ان الضيافة كانت جانبا مهماً من ثقافة العرب، وكانت للضيف مكانة خاصة عندهم، ولعله لذلك يتخذه القرآن وسيلة لبيان الحقائق التاريخية، ويقول عن ضيوف إبراهيم الْمُكْرَمِينَ لقد أكرمهم إبراهيم بضيافته وخدمته لهم.
[٢٥] إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلاماً قَالَ سَلامٌ حينما دخلوا عليه قالوا سَلاماً، فرد سلامهم قائلا سَلامٌ، وكأنهم استأذنوه فأذن لهم. ولكنه لم يعرفهم، فقال لهم: أنا لا أعرفكم أو أسرَّه في نفسه قَوْمٌ مُنكَرُونَ حيث نظر إليهم فعرف بأنهم ليسوا من أهل بلده، ولعل صورهم لم تكن مطابقة مع صور البشر، إنما كانوا يشبهون البشر فقط.
[٢٦] بعد ذلك جلسوا، فتسللَّ نبي الله الكريم إلى أهله فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ أي ذهب بخفية. وهذه من الآداب التي تتعلق بإكرام الضيف، إذا ليس من اللائق أن يقول المضيف لضيفه: أتأكل كذا، أو ماذا تشرب؟
فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ جلب لهم عجلا قد شوي على النار، ولعله فعل ذلك بالرغم من قلة عدد الضيوف (٣ أو ٤ أو على الأكثر ٩) لمزيد من الإكرام، أو لأنهم كانوا ضخاما، أو لكي يطعم بفاضل طعامهم سائر المساكين، وهذا كان ولا يزال من سنن الكرماء.
[٢٧] فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ ودعاهم إلى الطعام، فلم ير أيديهم تصل إلى العجل قَالَ أَلا تَأْكُلُونَ.
[٢٨] فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً ولعل السبب في إحساسه بالخوف منهم أنه كان من عادة من يضمر شرّاً ألا يأكل من بيت عدوه حتى لا يتصف بالغدر. وهكذا قالوا: من لم يأكل طعامك لم يحفظ ذمامك.
قَالُوا لا تَخَفْ وما لبثوا أن بشَّروه بتحقق أمنيته التي كادت تخيب لكبر سنه. وقد جاءت البشارة بعد الخوف ليكون أبلغ أثرا وأحلى.
وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ ويبدو أن الغلام ليس مجرد الذكر من الأولاد- حسب بعض علماء اللغة- بل: [يلحظ في المادة معنى أخص من النشاط لما هو أصل الحياة، فيقال: غلم كفرح: هاج شهوة، والغلمة: شهوة الضراب، ومن هذا يطلق الغلام على الفتى الذكر الطَّار