من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٢٠ - وفي السماء رزقكم وما توعدون
الشارب، لاكتمال حيويته] [١].
وإذا صح هذا التفسير فقد بشَّرته الملائكة بولد ذكر، يرعاه الرب حتى يبلغ أشده، ولعل وصفه ب عَلِيمٍ يدل على ذلك، إذ من المعروف أن الغلام لم يولد عليما، بل نما حتى أضحى كذلك عندما أصبح غلاما. يا لها من بشارة كبرى لمن بلغ من العمر عتيا، وحسب التوراة، وبعض المفسرين: [كان قد جاوزت سنه المئة، أما زوجته سارة فقد بلغت التسعين] [٢].
ه قد قضى عمرا ممتدا، يدعو إلى ربه ولم يؤمن به إلا قليل، والآن حيث يكاد يودع الحياة لا يفكر إلا في من يحمل مشعل الدعوة، ويحقق آمال داعية التوحيد الكبير الذي كاد يكون وحيدا في عالم كان يغوص في دنس الشرك، وظلام الجاهلية.
يا لها من بشارة عظيمة: أن يستجيب الرب لعبده رأفة به، وتخليدا لذكره في الآخرين، فيرزقه ولدا يرعاه حتى يصبح غلاما ويعلمه حتى يضحى عليما.
[٢٩] وسمعت زوجته (سارة) بهذه البشارة، ربما لقربها من الضيوف حيث كانت تخدمهم، أو لأنها جاءت إليهم فأخبرت بها فَأَقْبَلَتْ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ تصيح صياحا يشبه صوت الريح لما أصابها من فرحة مزيجة بالعجب!! فَصَكَّتْ وَجْهَهَا أي ضربته- على عادة النساء العجائز عند مواجهتهن لموقف لا يحتملنه- وعبرت عن عمق تعجبها من هذه البشارة العظيمة وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ فهل ألد وأنا عجوز يائس؟! بل كيف ألد وأنا امرأة عقيمة، ولم أنجب في شبابي؟!
[٣٠] قَالُوا كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكِ نعم، هكذا قال الله القدير، فرزق، ولأنه أراد إثبات هذه الحقيقة أنه وهب عجوزا عقيما غلاما عليما.
إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ ولم يذكر القرآن شيئا عن رد فعل إبراهيم عليه السلام لماذا؟ ربما لأن إنجاب رجل كبير في مثل سنه ممكن وإن كان بعيداً بعكس امرأة عقيم في مثل عمرها، والدليل على ذلك أن إبراهيم عليه السلام تزوج بهاجر فأنجبت له إسماعيل عليه السلام. والمعروف أن الولد كان (إسحاق) وتدل على ذلك الآية المباركة وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَقَ نَبِيّاً مِنْ الصَّالِحِينَ [الصافات: ١١٢]. وهذه الحادثة توحي ببصائر ثلاث
أولًا: أن الله قادر على تغيير ما نعرفه من السنن بقضائه النافذ، وحكمه الذي يرد.
[١] معجم ألفاظ القرآن الكريم الصادر عن مجمع البيان العلمي: ج ٢ ص ٢٧٢.
[٢] تفسير القرطبي: ج ١٧، ص ٤٧.