من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٩٢ - لقد صدق الله رسوله الرؤيا
يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَاناً ولكثرة صلاتهم وسجودهم بالذات الذي يمثل قمة الخضوع لله، فإنك تلحظ في جباههم أثر السجود، ولا ريب أن الآثار- الثفنات- لا تظهر إلا بالمبالغة في العبادة سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ.
والإمام علي عليه السلام يصف أصحاب رسول الله صلى الله عليه واله فيقول
[لَقَدْ رَأَيْتُ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه واله فَمَا أَرَى أَحَداً يُشْبِهُهُمْ مِنْكُمْ لَقَدْ كَانُوا يُصْبِحُونَ شُعْثاً غُبْراً وقَدْ بَاتُوا سُجَّداً وقِيَاماً يُرَاوِحُونَ بَيْنَ جِبَاهِهِمْ وخُدُودِهِمْ ويَقِفُونَ عَلَى مِثْلِ الجَمْرِ مِنْ ذِكْرِ مَعَادِهِمْ كَأَنَّ بَيْنَ أَعْيُنِهِمْ رُكَبَ المِعْزَى مِنْ طُولِ سُجُودِهِمْ إِذَا ذُكِرَ اللهُ هَمَلَتْ أَعْيُنُهُمْ حَتَّى تَبُلَّ جُيُوبَهُمْ ومَادُوا كَمَا يَمِيدُ الشَّجَرُ يَوْمَ الرِّيحِ العَاصِفِ خَوْفاً مِنَ العِقَابِ ورَجَاءً لِلثَّوَابِ] [١].
وبيان الله لصفات أصحاب الرسول صلى الله عليه واله إنما يأتي ليؤكد حقيقة أن صاحب الرسول حقا من صحبه بقلبه وأخلاقه وقيمه، فاقتداؤهم بالرسول جعلهم في تلك الدرجة لا مجرد معيتهم له، وأنت أيضا تستطيع أن تكون من أصحاب الرسول صلى الله عليه واله إذا تخلَّقت بالأخلاق التي يذكرها القرآن، وتشير إليها خطبة الإمام علي عليه السلام.
ثم إن الرسالات الإلهية بشَّرت بهذا النبي وبمن حوله من أعلام الرسالة رهبان الليل وفرسان النهار.
ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ وهم في حالة تكامل ورقي نحو الأكمل بصورة منتظمة، يشبهون في ذلك الشجرة التي تبدأ بذرة، ولكنها تتكامل شيئا فشيئا وتنمو إلى أن تصير قوية قائمة على سوقها.
كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمْ الْكُفَّارَ إن القائد الذي يربِّي هؤلاء الرجال في ظل أفكاره وقيادته كان يُسَرُّ إذ يراهم، أما الأعداء فإنهم يتميِّزون غيظا وحنقا كلما رأوا واحدا يترعرع في ظل قيمه ومبادئه، مقاتلا وقائدا رساليا يجاهد في سبيل الله تعالى.
وأصحاب النبي محمد صلى الله عليه واله الحقيقيين هم المعنيون بالزَّرع في هذه الآية، ولكن لا تعني صحبة الرسول صك البراءة من التكاليف الشرعية، والتحلل من القيم الإلهية، فليس كل الذين عاصروا الرسول أو صحبوه تمسَّكَ بأهداف الرسالة تشملهم هذه الآية، والدليل على ذلك أن الله لم يترك الكلام مطلقا، وإنما خص بالغفران والثواب الذين أحسنوا الصحبة، وأبلوا بلاء حسنا في الطاعة له ونصر رسالته منهم.
[١] نهج البلاغة: خطبة: ٩٧.