من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٠٩ - فإنما يسرناه بلسانك لعلهم يتذكرون
الله بالعذاب، وحيث يندرج هذا الجزاء في سنة إلهية كونية فإن العذاب قد ينال كل بشر إذا انتحل الإجرام.
[٣٨- ٣٩] وسنُّة الجزاء ليست أمرا شاذا عن طبيعة الحياة، إنما هي نابعة من صميم الخلق، ذلك أن الله خلق السماوات والأرض لغاية سامية، الأمر الذي يقتضي الجزاء ويحتمه.
وَمَا خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ إنما خلق الله كل شيء لهدف محدد، مهما كان ذلك الشيء صغيرا وتافها في نظر الإنسان، وقد تقرَّر في علم الفسيولوجيا (وظائف الأعضاء) أن كل شيء في الإنسان يؤدي دورا معينا، ولا يكون الإنسان كاملا إلا به، حتى الشعرة الواحدة، بل حتى جزيء الخلية المتناهية في الصغر، فهل يعقل إذن أن يكون ربنا قد خلق الإنسان بأكمله عبثا؟! كلا .. إن له هدفا في الحياة، وهو مسؤول عن كل شيء أمام ربه، ولكن هذه الحقيقة الواضحة تبقى غامضة لدى الجاهلين والضالين.
مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِ وسيلة وغاية وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ وعدم علمهم ليس لأنهم لا يرون الآيات الهادية إلى هذه الحقيقة، وإنما لأن هذه الآيات لا تتحول في ضمائرهم وأذهانهم إلى بصيرة، ذلك أن نظرتهم إلى الحياة نظرة قشرية مجردة، وإنما الذين ينظرون إليها ببصيرة الإيمان يهتدون إلى لبابها الحق.
[٤٠- ٤٢] وحيث ميز الله الإنسان عن سائر خلقه بالعقل، وكرمه بالحرية، فهو مسؤول أمامه عن العمل وفق الغاية التي خلق من أجلها، فإن تحمل مسؤوليته نَعَّمَهُ في الجنة، وإن نكص عنها عَذَّبَهُ في النار.
ومع أنه تعالى جعل سنَّة الجزاء جارية في الحياة الدنيا، إلا أنها أكثر تجليا في الآخرة، حيث تنصب الموازين، ويفصل بين الصالحين والأشرار.
إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ وهذا اليوم ضرورة حتمية تقتضيها عدالة الله، وإذ يُسَمِّيه ربنا يَوْمَ الْفَصْلِ فلأنه اليوم الذي يحكم فيه الحق بعيدا عن التبريرات أو التأجيل، فهو يوم حاسم في حياة كل إنسان، ويُعَدُّ فيصلا يتقرَّر فيه مصيره الأبدي.
وإذا أعطى ربنا الحرية الكاملة للإنسان في اختيار الحق دون أن تستطيع أية قدرة سواه تعالى إكراهه باتجاه معاكس لما يريد، كان من أبرز معاني الفصل أن يتحمل المسؤولية شخصيا حتى يكون يومئذ مفصولا عن سائر الناس.
يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئاً وَلا هُمْ يُنصَرُونَ بلى، قد يضغط من حول الإنسان