من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٨١ - وأثابهم فتحا قريبا
وإعداد المؤمنين للمواجهة الحاسمة، أما ما حصلوا عليه بعد فتح مكة عسكريا فهو كثير أيضا، الذي من أعظمه وأبرزه القضاء على السلطة المنحرفة فيها، ودخول الناس أفواجا في دين الله، مما جاء تفصيله وبيانه في سورة النصر.
الثاني: دفع أذى المشركين والكفار عن المؤمنين بصلح الحديبية، إذ لو كانت المواجهة تحدث يوم ذاك بين المؤمنين بأعدادهم وعدتهم القليلة من جهة، والمشركين بأعدادهم وعددهم الكثيرة من جهة أخرى، لكانوا يبادون وتنطفئ شعلة الإسلام.
فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ على رضى الله عنهم، ونصره لعباده الذين ينصرونه ويطيعون أولياءه، فينبغي للمؤمنين أن يدرسوا هذه الآيات، ويتدبروا في هذه الحادثة التاريخية، ليستفيدوا عبرة مهمة وهي ضرورة الطاعة للقيادة في السلم وفي الحرب، وعدم اتباع الآراء الشخصية والعواطف المثارة، لأن الطاعة للقيادة الرسالية هي الطريق إلى الهداية الحقيقية وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطاً مُسْتَقِيماً.
[٢١] قبل النصر تجتاح الأمة فتنة الشك في وعد الله، أما بعده فإنهم يتعرضون للغرور والاعتقاد بأن قوتهم الذاتية كانت سبب الفتح، مما يدفعهم للاستهانة بالقيم الحق التي هيأت ظروف النصر عند التمسك بها، ولعله لذلك أكد ربنا هنا- بعد بيان مكاسب صلح الحديبية- على المكاسب التي لم يقدر على تحقيقها المؤمنون إلا بتوفيق، ومن توفيقه الوحي الإلهي والقيادة الربانية، وإذا اتبع المجاهدون السبل الأخرى الملتوية فسوف تؤكد الهزيمة في واقعهم، مهما كان ظاهر الأمر يوحي بخلاف ذلك، ومن يرد نصر الله ورحمته يجب أن يطيعه ويلتزم بأمره.
وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً فهو محيط علما وقدرة بالمكاسب الأخرى التي تأتي في المستقبل، والتي تغيب عن وعي المؤمنين، أو ربما كانوا لا يصدقون بأنهم سوف يبلغونها لو قيل لهم ذلك، نظرا لكونها مكاسب كبيرة قياساً إلى قدراتهم وإمكاناتهم، فهل كانوا يعلمون أو يصدقون بالمكاسب التي حصلوا عليها فيما بعد من بلاط كسرى وقيصر؟ كلا .. وهي كلها من معطيات صلح الحديبية لو درسنا التاريخ دراسة واقعية معمقة، فانتصار الرسول على يهود خيبر وفتحه لمكة المكرمة عسكريا، الأمر الذي كان يعني سيطرته التامة على شبه الجزيرة العربية بكاملها، كل ذلك كان من مكاسب الصلح، وهذه الانتصارات بدورها وحدت القوى آنذاك كلها تحت راية الإسلام، فإذا بالمسلمين قوة ضاربة تنطلق شرقا لتفتح بلاد فارس، وغربا وشمالا لتنتهي إلى سلطان الروم، وتبنى على أنقاضها حضارة الإسلام.