من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٦٨ - والذين كفروا عما أنذروا معرضون
إسماعيل لا يفريها؟!
الجواب ببساطة: لأن الأنبياء بشر، والله يغيِّب عنهم ما يشاء من العلم.
وهذا يفسر قوله تعالى عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً (٢٦) إِلَّا مَنْ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ [الجن: ٢٦- ٢٧]. فغيب الله له وليس لأحد، وهو علام الغيوب، وعنده مفاتح الغيب، ولا يعلم الغيب إلا هو، ولكنه يعطي قدرا منه لأنبيائه لحكم معينة.
وهكذا تحل عقدة الغرابة من ابتعاث الرسل، وتعالج المعضلة التي يتشبث بها الكافرون، والتي كانوا يعودون إليها كلما بعث إليهم نبي جديد مع أنه سبقه إخوانه في الرسالة.
قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعاً مِنْ الرُّسُلِ إن بعض الظواهر الكونية تتكرر كل يوم، وبعضها كل أسبوع، وبعضها تتكرر كل سنة، وبعضها كل قرن، ومن الظواهر التي تتكرر بين فترة وأخرى الحروب، فهي إحدى الظواهر الاجتماعية التي تقع عادة بين الحين والآخر، ونحن نعترف بوجودها بالرغم من غرابتها الشديدة، لأنها واقعة وتقع في المستقبل.
وهكذا بالنسبة للرسل، فهم حتما وجزما يُرسَلوُن من قبل الرب، مادامت العوامل المؤيدة لإرسالهم متوفرة.
وهنا يأمر الله عزَّ وجلَّ رسوله الأكرم صلى الله عليه واله بأن يوضح للناس هذه الحقيقة، فكونه رسولا مبعوثا من قبل الله ظاهرة متكررة وسنة جارية، ولا داعي للغرابة. ولكن- من جهة أخرى- ليس علم الرسول من ذاته.
وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ فهو لا يعلم ما يفعل به ولا بهم إلا بقدر ما يشاء الله، بمعنى أنه لا يدري كل ما يفعل به وبهم إلا في حدود رسالته، لأن الرسول صلى الله عليه واله بشر كسائر الناس لا يعلم ماذا سيحدث مستقبلا بذاته بلى، إن الرسول- مثلا- يعلم أن الناس جميعا سيموتون ونحن كذلك نعلم ذلك، أما معرفة التفاصيل والاطلاع على دقائق الأمور فإن الله سبحانه يزيده منها بقدر مشيئته الحكيمة.
والرسول- كما يبدو من هذا المقطع من الآية- لا يعلم كل التفاصيل المستقبلية، وإنما عليه أن يتَّبع الوحي الذي ينزل عليه حسب الحكمة الإلهية.
إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَ وقد ذهب المفسرون مذاهب شتى في تفسير هذه الآية، ويبدو لي أنها ظاهرة بل صريحة فيما قلناه آنفا، فإن عدم معرفة الرسول بما يفعل به أو بهم لا يشمل ما يوحى إليه من غيب، ولا ريب أنه سبحانه أوحى إليه أن له عند ربه مقاما محمودا، وأن