من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٦٧ - والذين كفروا عما أنذروا معرضون
إليه! ثم يتهمون الرسالة بأنها إفك قديم، لأنهم لم يهتدوا بها.
وفعلا الرسالة ذات امتداد في عمق التاريخ لأنها تصدِّق ما نزل على موسى إماما ورحمة.
ثم يأمر القرآن بالاستقامة على التوحيد ومواجهة البدع وهي ثمن الجنة.
بينات من الآيات
[٩] للناس في الرسالات والرسل مذاهب ثلاثة
الأول: النفي المطلق، وإذ لم يعرف هؤلاء كيف يبعث الله الرسل اتبعوا جهلهم وأهواءهم وأنكروا الرسالة رأسا.
الثاني: إن صلة الرسل بربهم صلة تكوينية، بمعنى أن الرسل عليهم السلام هم قطعة منفصلة عن الإله ونازلة إلى الدنيا.
وبهذا يزعمون أنهم يحلون المشكلة ويعرفون كيف يتم الاتصال بين الخالق والمخلوق، إذ إن هذه الصلة كانت قديمة، وهي أساسا صلة تكوينية، فكيف يكون واحد منهم يأكل الطعام، ويمشي في الأسواق، ويشبههم في كل شيء من حياته، كيف يكون أعلى وأفضل منهم؟! لا بد أن يكون جنسه مختلفا عن جنسهم، وذاته غير ذواتهم، ولا بد أن يكون من أنصاف الآلهة ومن طبيعتها.
الثالث: إن الأنبياء والرسل هم مثل سائر البشر، ولكن الله تعالى ميزهم بالرسالة، حيث جعلها فيهم جعلا، ولو شاء لسلبها منهم، فهي تشبه المصابيح في الغرفة فإن لم يكن وهاجا لن يحول الغرفة إلى واقع نوراني، إنما سينعكس النور عليها مادام الضوء متقدا.
هكذا الرسالة، فما دام روح القدس مؤيدا للنبي فهو نبي، فإذا افترضنا- جدلا- أن ربنا أراد- بمشيئته المطلقة- أن يسلب روح القدس منهم فإنهم يصبحون كسائر الناس.
وعلم الرسل هكذا، ليس علما ذاتيا، وإنما هو مضاف إليهم من عند الله الذي يهب لهم موجات من المعرفة تلو موجات من العلم بقدر ما شاء، وإذا أراد أن يسلبها منهم فإنه على ذلك قدير .. ولهذا ينبغي أن لا نذهب بعيدا فيما يتصل بالأنبياء عليهم السلام، بل نعرف أنهم يعلمون ما يشاء الله ويجهلون ما سوى ذلك، فكيف لم يكن يعقوب عليه السلام وهو من أنبياء الله العظام يعلم بمكان يوسف عليه السلام؟! وكيف لم يكن إبراهيم عليه السلام يعلم بأن السكين الذي وضعه على أوداج