من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٣٨ - ولا يغتب بعضكم بعضا
أكثرها لا تعتمد على أدلة مقنعة، ولكن أنَّى للإنسان أن يقيِّم كل ما يتعرض له ذهنه كل يوم من أمواج التصورات المتلاحقة. فماذا علينا أن نفعل؟
علينا ألَّا نأبه بأي تصوُّر يحيكه ذهننا، بل نعتمد على الحواس وما تنقله من حسيات متجاوزين التوهمات، ونعتمد المصادر الموثوقة للمعرفة.
لذلك فإن علينا أن نجتنب كثيرا من الظن، أما القليل الذي نسعى وراءه فهو الذي تفرزه الحواس، ويصدقه العقل، ويصمد أمام النقد الدقيق. أما الظن الآثم فهو الذي تفرزه حالات الحقد والغضب والصراع. ولكن المشكلة أن هذه المجموعة الصغيرة متناثرة بين سائر الظن الكثير، مما يجعلنا لا نطمئن إليه جميعا، كما لو كان بعض الناس في بلد حاملا لفيروس الأيدز ولكننا لا نعرفهم بأعيانهم فعلينا أن نجتنب كل أهل هذا البلد حتى يتميَّزوا عن بعضهم.
من هنا نجد الإمام علي عليه السلام يكرر في وصاياه هذه الكلمة؛ فقد سُئِلَ أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ عليه السلام كَمْ بَيْنَ الحَقِّ وَالبَاطِلِ؟ فَقَالَ عليه السلام
[أَرْبَعُ أَصَابِعَ]
. وَوَضَعَ أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ يَدَهُ عَلَى أُذُنِهِ وَعَيْنَيْهِ، فَقَالَ عليه السلام
[مَا رَأَتْهُ عَيْنَاكَ فَهُوَ الحَقُّ وَمَا سَمِعَتْهُ أُذُنَاكَ فَأَكْثَرُهُ بَاطِلٌ] [١].
ولأن كثيرا من الظنون تطال المؤمنين بسبب أعمالهم التي قد يكون لهم عذر وجيه في القيام بها، فقد أمرنا الدين بأن نحمل أفعال إخواننا على أفضل محمل. وعن النبي صلى الله عليه واله
[اطْلُبْ لِأَخِيكَ عُذْراً فَإِنْ لَمْ تَجِدْ لَهُ عُذْراً فَالتَمِسْ لَهُ عُذْرا] [٢].
وقال أمير المؤمنين عليه السلام
[ضَعْ أَمْرَ أَخِيكَ عَلَى أَحْسَنِهِ حَتَّى يَأْتِيَكَ مَا يَغْلِبُكَ مِنْه
(أي تعلم يقينا غير ذلك)
ولَا تَظُنَّنَّ بِكَلِمَةٍ خَرَجَتْ مِنْ أَخِيكَ سُوءاً وأَنْتَ تَجِدُ لَهَا فِي الخَيْرِ مَحْمِلًا] [٣].
وبعض المؤمنين يزعمون أن من علامة إيمانهم سوء الظن بالناس وملاحقتهم بتهمة الفسق وكأن الإيمان حكر عليهم، كلا .. إن ذلك علامة ضيق نظرهم، وشدة عُجبِهم المفسد لقلوبهم. أما علامة الإيمان الحق فهي سعة الصدر وسماحة القلب، وصفاء النفس تجاه الآخرين.
قال الإمام الصادق عليه السلام
[حُسْنُ الظَّنِّ أَصْلُهُ مِنْ حُسْنِ إِيمَانِ المَرْءِ وسَلَامَةِ صَدْرِهِ وعَلَامَتُهُ أَنْ يَرَى كُلَّمَا نَظَرَ إِلَيْهِ بِعَيْنِ الطَّهَارَةِ والفَضْلِ مِنْ حَيْثُ رُكِّبَ فِيهِ وقُذِفَ فِي قَلْبِهِ مِنَ
[١] بحارالأنوار: ج ٧٢، ص ١٩٥.
[٢] بحارالأنوار: ج ٧٢، ص ١٩٧.
[٣] الكافي: ج ٢ ص ٣٦٢.