من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٤٢ - أرأيت من اتخذ إلهه هواه
يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ لا شيء وراء ظاهرة الحياة والموت، ولا حتى الله الذي قدرَّهما، وما الدهر سوى الطبيعة، وهل للطبيعة إرادة وحكمة؟! أفلا ينظرون إلى السماوات والأرض وما فيهما من عظمة التدبير ودقة التقدير؟! أفلا يهديهم العقل إلى أن لكل تدبير مدبر، ولكل تقدير مقدر؟!
ويبدو أن مرادهم من الموت فناء جيل، والحياة نشأة جيل من بعدهم، فالزمان في زعمهم يميت الأولين، ويحيي من بعدهم الآخرين، وهكذا في دورة متتابعة لا يعرف مبتداها ولا منتهاها، وتبقى الأسئلة حائرة: من أين جئت، إلى أين أسير؟ وينادي ليست أدري!
ويبدو أن هذه النظرية يفرزها القلب المختوم عليه بسبب عبادة الهوى، وهي تحلل الإنسان من كل قيد، وتطلق عنانه في اتباع الشهوات حتى النفس الأخير، وهي نظرية قائمة على أساس الفراغ العقائدي.
وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ أي يتخيَّلون أن لا بعث ولا حساب. أفينبغي أن نرسي بنيان أفكارنا وأساس مجمل ثقافتنا على قاعدة الظن بعيدا عن العلم؟! ولكن ماذا يملك من عبد هواه، وأضله الله، سوى الظنون؟! إن العلم أعظم نعمة، وهو من عند الله، فلو سلبه من أحد، أترى يعرف شيئا؟ هل يقدر الحائط- مثلا- أن يعي ما في الحقل، أم المكيال ما في البيدر؟! ولماذا؟ مستحيل أن يعرفا، أوَلَيس لأن الله لم يرزقهما العلم؟ كذلك محال أن يعرف مَنْ عبد هواه بداية الخلق ونهايته، لأنه قد سلب منه هذا العلم، وقد تم إضلاله على علم.
الذي يرى الرياض الجميلة تتوق نفسه إليها، ولكن الأعمى يظل يتخيَّل، ويقول ليس ثمة شيء أبدا. دعه في ضلاله أبدا.
[٢٥] وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ حتى تكاد تلزمهم بالحقيقة تهربوا منها دون أن يملكوا حجة، بل مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ وهل إذا أحياهم يؤمنون؟
كلا .. إنهم يبررون بذلك تهربهم من مسؤولياتهم.
[٢٦] قُلْ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ من بعد العدم، بالقدرة التي خلق بها السماوات والأرض من العدم.
ثُمَّ يُمِيتُكُمْ وليس الدهر كما زعموا أنه يهلكهم.
ويبدو أن هناك فرقا بين الموت والهلاك: فالموت هو انفصال الروح عن الجسد، أما الهلاك