من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٤٤ - أرأيت من اتخذ إلهه هواه
وهناك سؤال: لماذا يقول ربنا كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا، ولم يقل: كل فرد يدعى ..؟.
ولعل الجواب أن القرآن الحكيم يشير إلى حسّ التوافق مع المجتمع في الإنسان، التي تجعل المجموع مسؤولا عن كل فرد، كما أن الفرد له مسؤولية تجاه المجموع، ذلك لأن كثيرا من أعمال الفرد وعاداته إنما المسؤول عنها المجموع، ونستطيع أن نشبِّه التجمع بقافلة ركاب، فلو سقطت في الوادي لهلك أهلها جميعا.
والقرآن يسفِّه حالة الانسياق وراء المجتمع، قال الإمام موسى عليه السلام لفضل بن يونس
[أَبْلغْ خَيراً وَقُلْ خَيْراً وَلَا تَكُنْ إِمَّعَة.
قُلْتُ: وَمَا الإِمَّعةً؟ قَالَ عليه السلام
لَا تَقُل أَنَا مَعَ النَّاسَ وَأنَا كَوَاحدٍ مَن النَّاس، إنَّ رَسُوَلَ الله صلى الله عليه واله قال: يَا أيُّها النَّاسُ، إِنَّما هُمُا نَجْدَانِ نَجْدُ خَيرٍ ونَجْدَ شَرٍّ فَلَا يَكُنْ نَجْدُ الشِّر أَحَبَّ إِلَيكُم مِنْ نَجْدَ الخَيرِ] [١].
ونستفيد من الحديث أنه لا يوجد في الإسلام حتميات اجتماعية، ومن الممكن تغيير الثوابت والحتميات الاجتماعية بإصرار أبناء المجتمع، ولكن من عادة الناس اتباع الحالة الاجتماعية، إلا من عصمه الله، ولذلك فهم مشتركون في الجزاء.
الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ لو قال ربنا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ لاحتمل أن يكون الجزاء من غير جنس العمل، ولكن حذف الباء يؤكد أن الجزاء هو العمل ذاته الذي اجترحه الإنسان.
[٢٩] هَذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِ نطق الكتب قد يكون بسبب وضوح الأعمال، وقد يكون النطق بالمعنى الظاهر للكلمة، أي إن الكتاب يفرز الصوت، وقد أشار القرآن الكريم إلى مثل هذا المعنى في قوله حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٠) وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ [فصلت: ٢٠- ٢١]. ففي يوم القيامة تجسيد حي لعمل الإنسان، فربما عرض عليه الصوت والصورة لعمله، والفرق بين كتابة العمل في الدنيا عنه في الآخرة أنه في الدنيا تكتب ظاهر الأعمال، بينما في الآخرة تثبت بخلفياتها، وبكل مقاديرها ونسبها، إذ تكتب صلاة الاثنين، ولكن لكل صلاة خصوصياتها، فصلاة هذا أكثر إخلاصا وخشوعا وتأنيا من الآخر، وكذا في سائر الأعمال.
إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ والاستنساخ هو إعادة كتابة الأصل، فالأصل عند الإنسان، والكَتَبَةُ من الملائكة يكتبون ما يعمل، ويدل على ذلك قوله اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً [الإسراء: ١٤].
[١] تحف العقول: ص ٤١٣.