من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٠٦ - فإنما يسرناه بلسانك لعلهم يتذكرون
آجلا، وفي دعاء كميل نقرأ تعبيرا عن هذه الحقيقة عند قول الإمام علي عليه السلام
[وَلا يُمْكِنُ الفِرارُ مِنْ حُكُومَتِكَ] [١].
ومن فكرة الجزاء نهتدي إلى أن الدنيا دار ابتلاء، وأنه لا بد من دار أخرى للجزاء، ذلك أننا نجد البعض يموتون دون أن يلقوا جزاءهم في هذه الحياة، أو يلقونه بأقل مما يستحقون .. فهل هذا- على سبيل المثال- كان جزاء شمر الذي أدخل الحزن على قلوب الملايين عبر التاريخ بقتل سيد شباب أهل الجنة أن يُقتل قصاصا وحسب؟! كلا .. إن لهم جزاءً أكبر من ذلك في دار أخرى يلقى فيها الجميع جزاءهم الواقعي.
إن منهج طرح القرآن للموضوعات المختلفة منهج حكيم للغاية، فهو من جهة يحدثنا عن جزاء المجتمعات السابقة، ومن جهة يحدثنا عن هدفية الخلق، ثم يذكرنا بيوم القيامة، وهذه الموضوعات الثلاثة حينما تتفاعل عبر النظرة الواحدة للحياة تنسجم مع بعضها، وتصير صورة واحدة متكاملة، فربنا عاقب الأمم الغابرة مما يهدينا إلى أنه خلق الخلق لغاية لو زاغوا عنها عوقبوا بشدة، ومن ثم يهدينا إلى أنه سوف يجازي الأفراد في الآخرة الجزاء الأوفى.
ولكن لماذا لا يضرب لنا القرآن أمثالا من حياة الأفراد، كفرعون الذي أغرق في النهر، أو قارون الذي خسف به وبداره الأرض، أو إذا تكلم عنهم بمفردهم كان الحديث إشارة وحسب؟
والجواب: إن النظر إلى جزاء أمة سيكون أجدى من النظر إلى جزاء فرد واحد، لأن جزاء الأفراد قد يفسر بالصدفة، ولكن جزاء الأمم وبتلك الصور المتميزة دليل على حكمة الباري، وأنه المدبِّر للخليقة.
بينات من الآيات
[٣٠- ٣١] بنو إسرائيل مثل حي لجزاء الأمم على أفعالهم خيرا أو شرا، والقرآن ذكر هذا المثل لأن حياة بني إسرائيل تشبه إلى حد بعيد مسيرة الأمة الإسلامية من حيث إنهم كانوا أمة مؤمنة بنوا حضارة رسالية ثم انحرفوا كما هو حال المسلمين، وإذا فضلهم الله على علم على العالمين فإن هذه النعمة ليست من قبيل الرزق الذي يهبه الله بلا سعي، وإنما هي من قبيل الكسب، وبنو إسرائيل بلغوا هذه الدرجة السامية بعملهم لا بعنصرهم، وهذا بدوره يؤكد عقلانية العالم، والحكمة الإلهية التي يقوم عليها، ومن ثم يؤكد وجود الجزاء في الآخرة.
[١] البلد الأمين: ص ١٨٨، من دعاء كميل.