من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٣٧
كما جعلت التذكرة غاية الخلق في قوله سبحانه في هذه السورة
- وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [الذاريات: ٤٩].
وهكذا جعل التعقُّل هدفا في قوله سبحانه
- وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [غافر: ٦٧].
كما جعل الابتلاء هدفا أساسيا للخلق في آياته عديدة كقوله سبحانه
- الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا [الملك: ٢].
والامتحان بدوره سبيل لتكامل الإنسان، وتطهيره من الجوانب السلبية فيه.
التكامل .. الهدف الأسمى
من خلال البصائر التي ذكرت نعرف: أن تسامي الإنسان في معارج القرب- المعنوي- من الله سبحانه هو الهدف الأسمى لخلقه، ويتمثل ذلك في تحريره من نَير العبوديات، وتطهير قلبه من غل الهوى والشهوات، وتساميه في مدارج المعرفة بالله سبحانه، والتقرب إليه بالصالحات.
وإذا تسامى الإنسان إلى حيث القرب من الله فإن رضوان الله وغفرانه ورحماته وسائر نعمائه وآلائه يكون كل ذلك قد سبقته هناك لتشمله، ومن هو أولى من الله بأن يقري عبده الذي حلَّ بجنابه ضيفا، ومن هنا جعلت الرحمة هدفا للخلق في آية كريمة حيث يقول سبحانه وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ [هود: ١١٨- ١١٩].
[٥٧] ولكن الغاية التي نتحدث عنها ليست بمعنى العلة التي لدينا فنحن إذا فعلنا شيئا فلا بد من علة تدفعنا إليه، وغاية نسعى إليها. فالعطش علة الشرب، والجوع علة الأكل، والرقة علة العطف، أما الإرواء والشبع والإحسان فهي أهداف وغايات. وتعالى الله عن أن يكون لفعله سبب ويدفعه، وعلة تجأره، وتجبره. إنه الغني الحميد، عطاؤه محض رحمة منه، وفضله محض إرادة، لا يبرمه إلحاح الملحين، وكما جاء في الدعاء
[إِلَهِي تَقَدَّسَ رِضَاكَ أَنْ تَكُونَ لَهُ عِلَّةٌ مِنْكَ فَكَيْفَ يَكُونُ لَهُ عِلَّةٌ مِنِّي، إِلَهِي أَنْتَ الغَنِيُّ بِذَاتِكَ أَنْ يَصِلَ إِلَيْكَ النَّفْعُ مِنْكَ فَكَيْفَ لَا تَكُونُ غَنِيّاً عَنِّي][١].
[١] بحارالأنوار: ج ٩٥، ص ٢٢٦، باب: ٢- أعمال خصوص يوم عرفة وليلتها.