من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٨٣ - ووصينا الإنسان بوالديه إحسانا
وهكذا كان يربِّي النبي أصحابه. فقد ورد في الحديث أنه صلى الله عليه واله دَخَلَ عَلَى أَهْلِ الصّفةَ وَهُم يَرقَعُونَ ثِيَابَهُم بِالأَدَم [١] مَا يَجِدُونَ لَها رِقَاعاً، فَقَالَ
أَنْتُمُ اليَومَ خَيرٌ أَمْ يَومِ يَغْدُو أَحَدُكُم فِي حُلَّةٍ وَيَروُحُ فِي أُخْرَى، وَيُغْدَى عَلَيهِ بَجفْنَةٍ وَيُرَاحُ عَلَيهِ بُأِخْرَى، وَيَسْتُر بَيتَهُ كَمَا تُسْتَرُ الكَعْبَةُ؟
قَالُوا: نَحْنُ يَومَئِذٍ خَيرٌ، قَالَ
بَلْ أَنْتُمُ اليَومَ خَيرٌ] [٢].
[٢١] عذاب الدنيا أهون من جهنم، ولكنه شاهد عليها، ولقد استمتع الكفار بدنياهم، وأذهبوا فيها طيباتهم، فابتلوا بعذاب بئيس هنا قبل الآخرة. ألا يكفينا ذلك عبرة؟
هؤلاء قوم عاد ملأ قلوبهم حب الدنيا حتى حجبهم عن فهم حقائق الآخرة، فإذا بهم يعرضون عن النذر بالرغم من بلاغ إنذارهم.
ويبدو أن السياق يضرب لنا من قصة عاد مثلا على جملة البصائر التي تقدمت في هذا الدرس، التي منها: تشبث الإنسان بالتقاليد، وتوغله في شهوات الدنيا.
وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ دعنا نذكرهم لنتعظ بمصيرهم.
وكان هود من القبيلة ذاتها فكان إنذاره بليغا. أوليس يتحدث بلسانهم وحسب مستواهم العقلي؟ وبالإضافة إلى ذلك هو من أنفسهم يحب لهم الخير.
إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالأَحْقَافِ قالوا: الأحقاف هي الكثبان الرملية التي تتجمع هنا وهناك. وقالوا: إنها كانت وسط الجزيرة العربية بين نجد والأحساء وحضرموت وعمان. وقال بعضهم: كانت جنوب الجزيرة باتجاه اليمن أو في سواحل بحر العرب بين عمان وعدن، وقيل أنهم كانوا مشرفين على البحر بأرض يقال لها الشحر.
ويبدو أن ذكر الأحقاف هنا للدلالة على أن الله أسبغ عليهم نعمة الماء والكلأ في موقع يندران فيه أي بين التلال الرملية المتحركة، وكان عليهم أن يشكروا نعمة الله، ويستجيبوا للنذر. أولا يرون طبيعة الأرض من حولهم، وكيف تكاد الرمال المتحركة تبتلع حضارتهم الهشة، ولكنهم اغتروا، وتجبروا، واستكبروا في الأرض بغير الحق، وفسقوا عن أمر ربهم فجاءتهم عاصفة رملية دمرت حياتهم.
وَقَدْ خَلَتْ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ لعل المراد من هذه الكلمة: أن النذر توالت عليهم في فترات متعاقبة قبل بعثة هود، فبعضهم كانوا قريبين من عصره مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ، بينما
[١] الجلد المدبوغ.
[٢] نور الثقلين: ج ٥ ص ١٧.