من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١١٣ - فإنما يسرناه بلسانك لعلهم يتذكرون
بالمقام الأمين عندما قال إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ والأمن والسلام من أهم الحاجات النفسية للبشر، ولا يبلغ غاية الاطمئنان في الدنيا والآخرة إلا المتقون، ذلك أنه لا يحصل إلا بذكر الله عزَّ وجلَّ، وباتباع منهاجه في الحياة، فقد أسس الله الكون على الحق والعدالة، ومن يتبع المنهج الرباني وحده يستطيع العيش مطمئنا وفي مقام أمين من المكاره.
فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٥٢) يَلْبَسُونَ مِنْ سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقَابِلِينَ تلك الأجسام النضرة الناعمة تميس في الجنان الخضرة بين العيون الرقراقة، وعليها ثياب الزينة من سندس (حرير ناعم لطيف) ومن إستبرق (حرير ضخم يتلألأ) وتراهم يتقابلون في مجالس الأنس لا يشوب صفاء قلوبهم حقد أو حسد أو غل أو كبر، فهم إخوان متحابون كما كانوا في الدنيا ترفرف على رؤوسهم رحمات الله وبركاته، ونعم أجر العاملين.
[٥٤] ويستمر القرآن في بيان جزاء المتقين فيقول كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ وكذلك تكتمل نعم الجنة بالزواج من نساء جميلات يتجلى جمالهن في العيون الواسعة الحوراء، ولعل صيغة الماضي في الزواج تدل على أن الله زوج الحور العين لأوليائه بعلمه في الدنيا، بما قاموا به من عمل، بلى، لكل زواج مهر، ومهر زيجات الجنة الأعمال الصالحة في الحياة الدنيا.
[٥٥] ومن نعيم الجنة أن يجد أهلها ما يطلبون دون أدنى تعب يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ بعكس الدنيا تماما حيث لابد للإنسان فيها من السعي لكي يصل إلى رغباته، والتنازل عن شيء للظفر بشيء آخر، وصدق أمير المؤمنين عليه السلام حيث قال
[أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنْتُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا غَرَضٌ تَنْتَضِلُ فِيهِ المَنَايَا مَعَ كُلِّ جَرْعَةٍ شَرَقٌ وفِي كُلِّ أَكْلَةٍ غَصَصٌ لَا تَنَالُونَ مِنْهَا نِعْمَةً إِلَّا بِفِرَاقِ أُخْرَى ولَا يُعَمَّرُ مُعَمَّرٌ مِنْكُمْ يَوْماً مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا بِهَدْمِ آخَرَ مِنْ أَجَلِهِ ولَا تُجَدَّدُ لَهُ زِيَادَةٌ فِي أَكْلِهِ إِلَّا بِنَفَادِ مَا قَبْلَهَا مِنْ رِزْقِهِ ولَا يَحْيَا لَهُ أَثَرٌ إِلَّا مَاتَ لَهُ أَثَرٌ ولَا يَتَجَدَّدُ لَهُ جَدِيدٌ إِلَّا بَعْدَ أَنْ يَخْلَقَ لَهُ جَدِيدٌ ولَا تَقُومُ لَهُ نَابِتَةٌ إِلَّا وتَسْقُطُ مِنْهُ مَحْصُودَةٌ] [١].
أما في الجنة فالمتقون آمنون من كل هذه العيوب والنواقص.
[٥٦] لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الأُولَى التي ذاقوها في الدنيا، وهذه الآية إشارة لنعمة الخلود، وهي من أعظم النعم والغايات التي يتمناها البشر، والى جانب هذه المنة يذكرنا ربنا بنعمة عظيمة أخرى، وهي الوقاية من النار، التي يعدها القرآن في موضع آخر فوزا عظيما، حيث يقول عزَّ وجلَّ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنْ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ [آل عمران: ١٨٥].
[١] نهج البلاغة: خطبة: ١٤٥.