من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٦٢ - ولا يصدنكم الشيطان
وللآية تفسير آخر مستوحى من نص ورد في نزول الآية، نذكره فيما يلي، علماً بأن تطبيق القرآن على موارد نزول آياته لا يعني تحديده بها، فللقرآن أبعاد مختلفة وبطون شتى تجري عليها جميعا الآيات كما تجري الشمس على السهول والجبال.
روي أنه لما نزلت هذه الآية إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ [الأنبياء: ٩٨]، [أَتَى عَبْدُ الله بْنُ الزِّبَعْرَي إِلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه واله فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ أَ لَسْتَ تَزْعُمُ أَنَّ عُزَيْراً رَجُلٌ صَالِحٌ وَأَنَّ عِيسَى رَجُلٌ صَالِحٌ وَأَنَّ مَرْيَمَ امْرَأَةٌ صَالِحَةٌ. قَالَ صلى الله عليه واله
بَلَى
. قَالَ: فَإِنَّ هَؤُلَاءِ يُعْبَدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ فَهُمْ فِي النَّارِ. فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ [الأنبياء: ١٠١]] [١].
[٥٨] وَقَالُوا ءآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ هل آلهتنا خير أم عيسى؟ إنهم زعموا أن آلهتهم خير من عيسى لأنها تمثل الثروة والقوة والتقاليد المتوارثة، بينما عيسى عليه السلام مثال الزهد والطهر والفضيلة.
وهم يعرفون أن عيسى خير من آلهتهم، ولكنهم لا يريدون الإذعان بهذه الحقيقة التي تنسف أساس بنيانهم الجاهلي مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا لأن فطرتهم تهديهم إلى سمو عيسى بعلمه ورسالته وبأخلاقه وفضائله عن آلهة تمثل شهواتهم وعصبياتهم التافهة بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ كلما ابتعدت أمة عن قيم الوحي ازدادت حاجتها النفسية إلى الخصام والجدال، أوليس الإنسان يمارس الجدال من أجل دحض الحق، كما قال ربنا وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَ [غافر: ٥]، أوَليسوا قد هبطوا إلى حضيض الباطل، فلا بد أن يبلغوا ذروة الخصام حتى يبتدعوا لكل حق باطلا يجادلون به لدحض الحق.
هكذا قال الرسول صلى الله عليه واله
[مَا ضَلَّ قَوْمٌ بَعْدَ هُدًى كَانُوا عَلَيْه إِلَّا أَوْتُوا الجِدَال
، ثم تلا هذه الآية مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا] [٢].
وحسب بعض التفاسير أن معنى الآية: [إن القوم قالوا ما دام عيسى بن مريم في النار- لأنه يعبد من دون الله- فلا بأس أن تكون آلهتهم أيضا في النار وهم معها، ولكنهم كانوا يعلمون أن عيسى ليس في النار، لأنه لم يكن راضيا عن عبادتهم له، ولم يكن يدعو أحدا إلى عبادة أحد غير الله، فما كان مثلهم بعيسى إلا جدلا].
[١] بحار الأنوار: ج ٣٦، ص ١٨٥.
[٢] تفسير فتح القدير: ج ٤ ص ٥٦٤.