من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٦١ - ولا يصدنكم الشيطان
فهم عبدوا آلهة تمثل الشهوات والأماني الزائلة، وزيَّنها قرناؤهم من شياطين الجن والإنس في أعينهم، حتى قالوا: أآلهتنا خير أم هو؟!
ثانياً: لأن إيمانهم بعيسى بن مريم عليهما السلام مثال الفضائل، والذي قد فرض نفسه على وجدانهم وفطرتهم- بالرغم منهم- كان يدعوهم إلى الإيمان بالنبي محمد صلى الله عليه واله لأنهما على نهج واحد، فصدُّوا عن ذاك ليصدُّوا عن هذا.
ثالثاً: ولعل قريشا تأثرت بالدعاية السلبية التي بثها اليهود حول النبي عيسى عليه السلام. ويبدو أن من أبعاد رسالة النبي صلى الله عليه واله في قومه إحياء ذكر إخوته الأنبياء الكرام عليهم السلام لا سيما أنبياء بني إسرائيل الذين ربما منعت عصبية العرب من قبولهم، وبالذات عيسى عليه السلام الذي تعرَّض للإعلام المضاد من قبل اليهود بالإضافة إلى كونه من بني إسرائيل.
* وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا أي بين القرآن كما الرسالات واتباعها مثال عيسى عليه السلام في زهده وخلقه وآياته ليهتدي به العرب إلى رسولهم الكريم، والى أوصيائه الذين يجسدون نهجه.
إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ فلا يؤمنون به مع أن شخصيته أسمى من كل ريب، ولعل كلمة يَصِدُّونَ أشربت معنى الصد عن سبيل الله، وقال بعضهم: إن معناها يضجون، من الصديد وهو الجلبة، فيكون تفسيرها: يثيرون الضجيج واللغط حول هذه الشخصية من الأفكار السلبية لكي لا يؤمنوا بعيسى عليه السلام، وقد سمَّى القرآن أفكار الضالين باللغو في آيات أخرى، كقوله سبحانه وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ [فصلت: ٢٦]. وقد طبقت نصوص أهل البيت عليهم السلام هذه الآية على أمير المؤمنين عليه السلام لأنه كما جاء في أحاديث عديدة عن النبي صلى الله عليه واله أنه شبيه عيسى بن مريم عليه السلام. ولاريب أن عليا عليه السلام كان مثالا للقيادة الربانية التي تمثل قيم الوحي، كما كان النبي عيسى بن مريم عليهما السلام، كما أن عليا عليه السلام غالى فيه قوم حتى قالوا فيه مثلما قالت النصارى في عيسى بن مريم، وَقَلاه آخرون حتى ساووه بمعاوية، واقتصد فيه الصالحون.
في الحديث عن أهل البيت عليهم السلام عن علي عليه السلام أنه قال
[جِئْتُ إِلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه واله يَوْماً فَوَجَدْتُهُ فِي مَلَإٍ مِنْ قُرَيْشٍ فَنَظَرَ إِلَيَّ ثُمَّ قَالَ: يَا عَلِيُّ إِنَّمَا مَثَلُكَ فِي هَذِهِ الأُمَّةِ كَمَثَلِ عِيسَى بْنِ مَرْيَمَ أَحَبَّهُ قَوْمٌ فَأَفْرَطُوا فِي حُبِّهِ فَهَلَكُوا وَأَبْغَضَهُ قَوْمٌ وَأَفْرَطُوا فِي بُغْضِهِ فَهَلَكُوا وَاقْتَصَدَ فِيهِ قَوْمٌ فَنَجَوْا فَعَظُمَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ وَضَحِكُوا وَقَالُوا يُشَبِّهُهُ بِالأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ فَنَزَلَتْ ..][١].
[١] بحار الأنوار: ج ٩ ص ١٥١.