من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٧ - إن كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا
الحق ورسول مبين كذبوا به اعتمادا على النعم، حيث يعزو القرآن في آيات كثيرة التكذيب بالرسل إلى الإتراف، كما سبق في الآية (٢٣) حيث رأينا كيف قاد المترفون الناس إلى التكذيب بالرسل، ومن هذا المنطلق نستطيع أن نعرف الصلة بين هذه الآية والآيات التالية التي تتحدث عن المترفين.
ولكن هل النعم دليل صلاح أصحابها؟ كلا .. بل قد يكون بلاء أو استدراجا، جاء عن أمير المؤمنين عليه السلام
١-
[يَا ابْنَ آدَمَ إِذَا رَأَيْتَ رَبَّكَ سُبْحَانَهُ يُتَابِعُ عَلَيْكَ نِعَمَهُ وأَنْتَ تَعْصِيهِ فَاحْذَرْهُ] [١].
٢-
[كَمْ مِنْ مُسْتَدْرَجٍ بِالإِحْسَانِ إِلَيْهِ ومَغْرُورٍ بِالسَّتْرِ عَلَيْهِ ومَفْتُونٍ بِحُسْنِ القَوْلِ فِيهِ ومَا ابْتَلَى اللهُ سُبْحَانَهُ أَحَداً بِمِثْلِ الإِمْلَاءِ لَهُ] [٢].
٣-
[أَيُّهَا النَّاسُ لِيَرَكُمُ اللهُ مِنَ النِّعْمَةِ وَجِلِينَ كَمَا يَرَاكُمْ مِنَ النِّقْمَةِ فَرِقِينَ إِنَّهُ مَنْ وُسِّعَ عَلَيْهِ فِي ذَاتِ يَدِهِ فَلَمْ يَرَ ذَلِكَ اسْتِدْرَاجاً فَقَدْ أَمِنَ مَخُوفاً ومَنْ ضُيِّقَ عَلَيْهِ فِي ذَاتِ يَدِهِ فَلَمْ يَرَ ذَلِكَ اخْتِبَاراً فَقَدْ ضَيَّعَ مَأْمُولًا] [٣].
ولكن لماذا يتَّهِم الكفار الرسل بالسحر؟ لأن الرسالات التي يأتي بها الرسل كانت قريبة من قلوبهم وعقولهم وعواطفهم، وكانوا ينجذبون إليها، ولكنهم لم يريدوا الإيمان بها، ففسروها بالسحر، لأنه يجذب الفرد من حيث لا يدري، ولكن جهلوا الفرق الكبير بين رسالة الحق والسحر الباطل. فأثر السحر مؤقت يزول بزوال المؤثر، وهذا ليس في الرسالة، كما أن الرسالة تطلب منك موقفا وأنت في كامل وعيك، وانطلاقا من عقلك، بعكس ما هو عليه السحر فأنت مجبور (!) على سلوك معين بتأثير السحر، ولا يفلح الساحر بينما صاحب الرسالة منصور من عند الله.
ونتساءل: كيف قالوا بأن الرسالة سحر في معرض الانتقاص، وقد كانوا يتوسلون بالسحر في بعض الأحيان؟ يبدو أن السحر كان مبغوضا عندهم، وإنما يتوسلون به أحيانا عند الحاجة.
[٣١] لماذا يكفر بالرسالات الإلهية المترفون؟ ذلك لأنهم اتبعوا ما أترفوا فيه، وضاعت عنهم الموازين الحق، ومسخت شخصياتهم الإنسانية، فلم يعودوا يملكون مقاييس سليمة
[١] نهج البلاغة: حكمة: ٢٥.
[٢] نهج البلاغة: حكمة: ١١٦.
[٣] نهج البلاغة: حكمة: ٣٥٨.