من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٣٧ - ولا يغتب بعضكم بعضا
وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ إن الحقوق الاجتماعية ليست بأقل حرمة من الحقوق المالية، ومن يعتدي على عرض إخوانه كمن يعتدي على نفسه أو ماله، أوَلَا نقرأ الحديث الشريف المأثور عن النبي صلى الله عليه واله
[إِنَّ الله تَعَالَى حَرَّمَ مِنَ المُسْلِمِ دَمَهُ وَمَالَهُ وَأَنْ يُظَنَّ بِهِ ظَنَّ السَّوْءِ] [١].
وهذه الآية تنهى أيضا عن التعبير الذي هو من التنابز بالألقاب حسب ما يدل على ذلك سبب نزولها، وقد وردت نصوص عديدة في النهي عن ذلك منذرة فاعل ذلك بالافتضاح.
فقد روى الإمام الصادق عليه السلام عن النبي صلى الله عليه واله أنه قال
[مَنْ أَذَاعَ فَاحِشَةً كَانَ كَمُبْتَدِئِهَا ومَنْ عَيَّرَ مُؤْمِناً بِشَيْ ءٍ لَمْ يَمُتْ حَتَّى يَرْكَبَهُ] [٢].
وروي عن الإمام الباقر عليه السلام
[إِنَّ أَقْرَبَ مَا يَكُونُ العَبْدُ إِلَى الكُفْرِ أَنْ يُؤَاخِيَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ عَلَى الدِّينِ فَيُحْصِيَ عَلَيْهِ زَلَّاتِهِ لِيُعَنِّفَهُ بِهَا يَوْماً مَا] [٣].
وجاء في حديث مأثور عن الإمام الصادق عليه السلام
[إِنَّ لِلهَ تَبَارَكَ وتَعَالَى عَلَى عَبْدِهِ [المُؤْمِنِ] أَرْبَعِينَ جُنَّةً فَمَنْ أَذْنَبَ ذَنْباً رُفِعَ عَنْهُ جُنَّةً فَإِذَا عَابَ أَخَاهُ المُؤْمِنَ بِشَيْ ءٍ يَعْلَمُهُ مِنْهُ انْكَشَفَتْ تِلْكَ الجُنَنُ عَنْهُ فَيَبْقَى مَهْتُوكَ السِّتْرِ فَيَفْتَضِحُ فِي السَّمَاءِ عَلَى أَلْسِنَةِ المَلَائِكَةِ وفِي الأَرْضِ عَلَى أَلْسِنَةِ النَّاسِ ولَا يَرْتَكِبُ ذَنْباً إِلَّا ذَكَرُوهُ ويَقُولُ المَلَائِكَةُ المُوَكَّلُونَ بِهِ يَا رَبَّنَا قَدْ بَقِيَ عَبْدُكَ مَهْتُوكَ السِّتْرِ وقَدْ أَمَرْتَنَا بِحِفْظِهِ فَيَقُولُ عَزَّ وجَلَّ مَلَائِكَتِي لَوْ أَرَدْتُ بِهَذَا العَبْدِ خَيْراً مَا فَضَحْتُهُ فَارْفَعُوا أَجْنِحَتَكُمْ عَنْهُ فَوَ عِزَّتِي لَا يَئُولُ بَعْدَهَا إِلَى خَيْرٍ أَبَداً] [٤].
[١٢] نهت الآية السابقة عما يفسد العلاقة بصورة علنية، وفي حضور الطرف الآخر، وبتعبير آخر: كانت الآية تطهر المحضر بينما تنهى هذه الآية عما يفسد العلاقة من وراء الشخص وتطهر المغيب .. وتبدأ بسوء الظن الذي تثيره وساوس الشيطان، ويتنامى عادة بين المؤمنين في غيبة بعضهم عن البعض يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنْ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ الظن هو التصور الذي ينقصه الدليل، وإن كثيرا من هذا الظن باطل وبعضه يصبح إثما. كيف ذلك؟ إن قلب الإنسان يتعرَّض لأمواج مختلفة من الهواجس والتصورات، وإن بعضها فقط هي الحق وهي التي تبعث من مصادر المعارف الخارجية، بينما البقية هي قياسات باطلة وتمنيات ووساوس وإفرازات العقل (المُكوَّن) الباطن وترشحات الإحباطات و .. وإذا راجعت نفسك يوما وحاولت إحصاء وتقييم كل تصوراتك تقييما سليما، فيومئذ تصل إلى هذه النتيجة أن
[١] بحار الأنوار: ج ٧٢ ص ٢٠١.
[٢] بحار الأنوار: ج ٧٢ ص ٢١٥.
[٣] الكافي: ج ٢ ص ٣٥٤.
[٤] مستدرك الوسائل: ج ٩ ص ١١٦.