من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٨٢ - ووصينا الإنسان بوالديه إحسانا
الحياة بين الحكمة والمتعة
إن حياتنا في هذه الدنيا ذات حكمة تنبسط على كل ممارستنا فيها، مما يجعل لكل بعد منها هدفا محددا لو سعينا نحوه كانت الحياة شريفة. أما إذا فرَّغنا أعمالنا من أهدافها، ومارسناها لذاتها، فإنها تصبح متعة زائلة. فمثلا: الطعام سبيلنا إلى القوة فمن طعمه لشهوة الأكل لا لبلوغ سلامة البدن وقوته كان ممن أذهب طيباته، والثياب وسيلة للستر والزينة فمن استهدف المفاخرة بها أذهب طيباته، وهدف التعلم العمل فمن تعلم العلم للعلم دون أي هدف آخر ضل سبيله وأضل عمله. ومن هنا ليس صحيحا أن نجعل الفن للفن، إنما لتوعية الناس، وتحسيسهم بالحقائق، وإثارة حوافز الخير فيهم، ومن دون ذلك يصبح الفن هراء، ويذهب بطيباتنا.
وحين يفقه الإنسان حكمة الحياة ومفرداتها يعتدل سلوكه فيها. يبصر الهدف من طعامه فيزهد فيما لا ينفع جسده، ويعرف الهدف من ثيابه فلا يفاخر ولا يبذر، ويضع علمه في خدمة قيمه، وإذا مارس الفن حقق أهداف أمته من وراءه. ألا ترى كيف كان يعيش رسول الله صلى الله عليه والهوالأئمة الصالحون من خلفائه عليهم السلام.
روي في الحديث أن عمر بن الخطاب قال: اسْتَأْذَنْتُ عَلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه واله فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ فِي مَشْرَبَةِ أُمِّ إِبْرَاهِيمَ، وَإِنَّهُ لَمُضْطَجِعٌ عَلَى خَصَفَةٍ وَإِنَّ بَعْضَهُ عَلَى التُّرَابِ وَتَحْتَ رَأْسِهِ وِسَادَةٌ مَحْشُوَّةٌ لِيفاً فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ. ثُمَّ جَلَسْتُ فَقُلْتُ: يَارَسُولَ الله أَنْتَ نَبِيُّ الله وَصَفْوَتُهُ وَخِيَرَتُهُ مِنْ خَلْقِهِ وَكِسْرَى وَقَيْصَرُ عَلَى سُرُرِ الذَّهَبِ وَفُرُشِ الدِّيبَاجِ وَالحَرِيرِ. فَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه واله
أُولَئِكَ قَوْمٌ عُجِّلَتْ طَيِّبَاتُهُمْ، وَهِيَ وَشِيكَةُ الِانْقِطَاعِ وَإِنَّمَا أُخِّرَتْ لَنَا طَيِّبَاتُنَا] [١].
أما الإمام أمير المؤمنين فيقول عنه حفيده الإمام الباقر عليهما السلام
[واللهِ إِنْ كَانَ عَلِيٌّ عليه السلام لَيَأْكُلُ أَكْلَ العَبْدِ ويَجْلِسُ جِلْسَةَ العَبْدِ وإِنْ كَانَ لَيَشْتَرِي القَمِيصَيْنِ السُّنْبُلَانِيَّيْنِ فَيُخَيِّرُ غُلَامَهُ خَيْرَهُمَا ثُمَّ يَلْبَسُ الآخَرَ فَإِذَا جَازَ أَصَابِعَهُ قَطَعَهُ وإِذَا جَازَ كَعْبَهُ حَذَفَهُ ولَقَدْ وَلِيَ خَمْسَ سِنِينَ مَا وَضَعَ آجُرَّةً عَلَى آجُرَّةٍ ولَا لَبِنَةً عَلَى لَبِنَةٍ ولَا أَقْطَعَ قَطِيعاً ولَا أَوْرَثَ بَيْضَاءَ ولَا حَمْرَاءَ وإِنْ كَانَ لَيُطْعِمُ النَّاسَ خُبْزَ البُرِّ واللَّحْمَ ويَنْصَرِفُ إِلَى مَنْزِلِهِ ويَأْكُلُ خُبْزَ الشَّعِيرِ والزَّيْتَ والخَلَّ ومَا وَرَدَ عَلَيْهِ أَمْرَانِ كِلَاهُمَا لِلَّهِ رِضًا إِلَّا أَخَذَ بِأَشَدِّهِمَا عَلَى بَدَنِهِ ولَقَدْ أَعْتَقَ أَلْفَ مَمْلُوكٍ مِنْ كَدِّ يَدِهِ وتَرِبَتْ فِيهِ يَدَاهُ وعَرِقَ فِيهِ وَجْهُهُ ومَا أَطَاقَ عَمَلَهُ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ وإِنْ كَانَ لَيُصَلِّي فِي اليَوْمِ واللَّيْلَةِ أَلْفَ رَكْعَةٍ وإِنْ كَانَ أَقْرَبُ النَّاسِ شَبَهاً بِهِ عَلِيَّ بْنَ الحُسَيْنِ عليه السلام ومَا أَطَاقَ عَمَلَهُ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ بَعْدَهُ][٢].
[١] بحار الأنوار: ج ٦٣ ص ٣٢٠.
[٢] وسائل الشيعة: ج ١ ص ٨٨.