من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣١٩ - فأصلحوا بين أخويكم
تحقيقه في حالة الاقتتال يكاد يكون مستحيلا، إنما طلب من الجميع العمل من أجل الصلح.
ثالثاً: سمَّى القرآن الفريقين المتقاتلين بالمؤمنين بالرغم من أن الاقتتال ضلالة بعيدة، مما يدل على إمكانية تورط أبناء الأمة الواحدة في الحرب الأهلية بسبب الفتن والأهواء، فلا يجوز اتهام الناس بالكفر بمجرد دخولهم الصراع مع بعضهم حتى لو بلغ حد الحرب، كما لا يجوز لأحد الطرفين اتهام الطرف الآخر بالخروج عن إطار الإيمان بمجرد إعلانه الحرب عليه.
فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فلم تقبل بالصلح أو قبلت وغدرت.
فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ هل يمكن أن نقيِّم السلام بالشعارات والمواعظ والمعاهدات ومجالس الأمن؟ قد يكون كل ذلك نافعا، ولكنه ليس بمستوى وقف الحرب التي لا يخوضها الناس إلا بعد أن ييأسوا من تحقيق أهدافهم بأية وسيلة أخرى، فيركبون مركبها الصعب ويتحملون مآسيها وويلاتها. فكيف يتوقفون عنها بنصيحة أو قرار؟
لا بد إذن أن يتحمَّل الناس كل الناس مسؤولية الحفاظ على السلام ووقف نزيف الدم، وذلك بخوض غمار الحرب بلا تردد، وإلا فإن بغاة الفتنة سوف يحولون الأرض جحيما.
ولست أعرف مبدأ فرض على تابعيه هذا المستوى من المسؤولية الاجتماعية، فالمبادئ الغربية ترى انتخاب النظام حقا، بينما الإسلام يراه واجبا أيضا، ويفرض على المؤمن الكفر بمن يطغى ويريد فرض نفسه على المجتمع حاكما من دون رضاهم، كما يفرض القتال ضد الذين يبغون الفساد في الأرض.
ويحدِّد القرآن القتال بعودة الفئة الباغية إلى أمر الله وقبولها بتطبيق حكم الإسلام في قضايا الخلاف بينها وبين الفئة الأخرى، مما يدل على واجب التقيُّد التام بحدود العدالة في التعامل مع البغاة بالرغم من بغيهم واعتدائهم على السلام والأمن.
وإذا عرفنا أن هؤلاء يشبهون المعارضة المسلحة في عرف اليوم، نعرف كيف ينبغي التعامل مع المعارضة في النظام الإسلامي بأن نعيدهم إلى الحدود الشرعية والممارسة القانونية لحقهم، دون مصادرة حقوقهم وانتهاك حرماتهم والإشهار بهم وإغراقهم بالتهم الرخيصة، فكيف باعتقالهم وتهجيرهم وتعذيبهم وقتلهم؟ كلا، إن الله سبحانه يحدد قتال البغاة بعودتهم إلى أمر الله فإذا عادوا كان حالهم حال سائر أبناء الأمة سواء بسواء.
فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ ولا يجوز التمييز بينهما والتفريق بين هذه الفئة وبين الفئة الأخرى، بمجرد أنها بغت عليها. إذ إن فرض عقوبات على هذه الفئة أو حرمانهم