من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٢١ - فأصلحوا بين أخويكم
لأن عثمان (رضى الله عنه) قتل والصحابة براء من دمه، لأنه منع من قتال من ثار عليه وقال: [لا أكون أول من خلف رسول الله صلى الله عليه واله في أمته بالقتل]. فصبر على البلاء، واستسلم للمحنة وفدى بنفسه الأمة، ثم لم يمكن ترك الناس سدى، فعرضت على باقي الصحابة الذين ذكرهم [عمر] [١] في الشورى، وتدافعوها، وكان علي (كرم الله وجهه) أحق بها وأهلها، فقبلها حوطة [٢] على الأمة أن تسفك دماؤها بالتهارج والباطل، أو يتخرَّق أمرها إلى ما لا يتحصل، فربما تغيَّر الدين وانقض عمود الإسلام.
فلما بويع له طلب أهل الشام في شرط البيعة التمكن من قتلة عثمان وأخذ القود منهم. فقال لهم علي رضي الله عنه
[ادْخُلُوا فِي البَيعَةِ وَاطْلُبُوا الحَقَّ تَصِلُوا إِليهِ]
، فقالوا: [لَا تَسْتَحِقَّ بَيْعَةً وَقَتَلَةُ عُثْمَانَ مَعَكَ تَرَاهُم صَبَاحَاً وَمَسَاءً]. فكان علي في ذلك أسد رأيا وأصوب قيلا، لأن عليا لو تعاطى القود منهم لتعصب لهم قبائل وصارت حربا ثالثة، فانتظر بهم أن يستوثق الأمر وتنعقد البيعة، ويقع الطلب من الأولياء في مجلس الحكم، فيجري القضاء بالحق.
ولا خلاف بين الأمة أنه يجوز للإمام تأخير القصاص إذا أدَّى ذلك إلى إثارة الفتنة أو تشتيت الكلمة، وكذلك جرى لطلحة والزبير، فإنهما ما خلعا عليا من ولاية ولا اعترضا عليه في ديانة، وإنما رأيا أن البداءة بقتل أصحاب عثمان أولى] [٣].
ثم يسترسل القرطبي في تفسير حرب الجمل فيقول: [وقال جلة من أهل العلم أن الوقعة بالبصرة بينهم (بين المسلمين) كانت على غير عزيمة منهم على الحرب بل فجأة، وعلى سبيل دفع كل واحد من الفريقين عن أنفسهم لظنه أن الفريق الآخر قد غدر به] [٤].
ولم أهتد إلى الفارق بين واقعتي البصرة وصفين أو بينها وبين النهروان. أو لم يخرج الجميع على إمام قائم بالأمر بايعته أكثرية المسلمين فكيف نبِّرر خروج أهل البصرة، وندين أهل الشام أو الخوارج؟ هَبْ أن القتال كان فجأة، ولكن ماذا يبِّرر إخراج حرم رسول الله صلى الله عليه واله من المدينة إلى البصرة وتجنيد الجيوش وإظهار المخالفة بهذه الطريقة؟
وأظن أن تاريخنا قد حفل بالتبرير، وربما التناقض لسبب نفسي مغلف بشبهة دينية! أما السبب النفسي فهو الخلط بين قيم الدين وحوادث التراث، ومحاولة إضفاء حالة من القداسة على التراث، دون عرضه على قيم الوحي أو نقده حسب موازين الشرع، فكل ما يسمى
[١] زيادة عن ابن عربي.
[٢] الحوطة والحيطة: الأحتياط.
[٣] تفسير القرطبي: ج ١٦ ص ٣١٧- ٣١٨.
[٤] تفسير القرطبي: ج ١٦ ص ٣١٨.