من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٢٠ - فأصلحوا بين أخويكم
من حقوقهم يمهد لحرب جديدة، إنما العدل وإقامة حدود الله على الجميع بلا تمييز يقضي على أسباب الصراعات الاجتماعية لأن وقود هذه الصراعات هم في الأغلب الفئات المحرومة التي يستغلها هذا أو ذاك.
وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ لعل القِسْطَ هو التطبيق الدقيق والحازم لموجبات العدالة، فهو الدرجة الأسمى للعدل. فكيف نحقق القسط في الفئتين المتحاربتين؟
قد تكون الفئة الباغية (المعارضة المسلحة) فئة محرومة تاريخيا، كالزنوج في بعض البلاد التي كانت أو لا تزال تسير على نهج التمييز العنصري، فتساويهم في الحقوق مع مواطنيهم البيض لا يكفيهم، ولا يقضي على عوامل البغي المجرد، إنما ينبغي توفير قدر أكبر من الفرص لهؤلاء لرفع حرمانهم لإلحاقهم بسائر المجتمع- فلا يكتفى بتوفير الفرص وإنما خلق القدرة لاستثمار الفرص بشكل متساوٍ في الجملة- مثل تخصيص ميزانيات أكبر لمناطق تواجدهم، وقبولهم في الجامعات بشروط أخف وإعطائهم ديونا بلا فوائد و .. والله العالم.
وقد جاء في سبب نزول الآية أقوال شتى مما يدل على أن ذلك كان مجرد تطبيق الآية على بعض الحوادث التي وقعت بين المسلمين وأكثرها كانت بين الأنصار وبالذات بين الأوس والخزرج الذين بقيت على عهد النبي آثار حربهما الضروس التي طالت عقودا متطاولة حتى أخمدها الله بالإسلام.
وأكثر تلك المشاحنات التي يذكرها المفسرون في سبب نزول الآية كانت بالأيدي والنعال وجريد النخل ولا أظن أنها تسمى قتالا.
وليس غريبا أن يبيِّن القرآن حكم موضوعة تتحقق عادة في الأمم حتى ولو لم تحدث عند نزول الكتاب، وقد شهد المسلمون صراعا دمويا بينهم في القرن الأول من الهجرة، مما يصلح تأويلا للآية، من هنا تحدث بعض المفسرين بتفصيل عن تلك الحرب، ونحن بدورنا نجد فائدة كبيرة بذكر جانب مما تحدثوا عنه مبتدئين ذلك بنقل ما نقله القرطبي عن القاضي أبي بكر بن العربي حيث قال: [هذه الآية أصل في قتال المسلمين، والعمدة في حرب المتأولين، وعليها عوَّل الصحابة وإليها لجأ الأعيان من أهل الملة، وإياها عنى النبي صلى الله عليه واله بقوله
[تَقْتُلُ عَمَّاراً الفِئَةُ البَاغِيَةُ]
. وقوله عليه السلام في شأن الخوارج
[يَخْرُجُونَ عَلَى خَيْرِ فِرْقَةٍ]
أو
[عَلَى حِينِ فِرْقَةٍ]
، والرواية الأولى أصح، لقوله عليه السلام
[تَقْتُلُهَم أَوْلَى الطَّائِفَتَيْنِ بِالحَقِ]
، وكان الذي قتلهم علي بن أبي طالب ومن كان معه، فتقرَّر عند علماء المسلمين وثبت بدليل الدين أن عليا رضي الله عنه كان إماما، وأن كل من خرج عليه باغ، وأن قتاله واجب حتى يفيء إلى الحق وينقاد إلى الصلح،