من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٤٠ - أرأيت من اتخذ إلهه هواه
ينبعث منها الإيمان، فمن اتبع عقله هُدِيَ إلى الإيمان، ومن آمن أنقذ عقله من براثن الهوى، أما مَنِ اتَبع هواه فقد عطَّل عقله، ولن يهتدي إلى الإيمان، ويكون كمن أوصد منافذ قلبه حتى لا يصل إلى الحقيقة، ولن يصل إليها، وحين يتبع الإنسان هواه تكثر أنانيته وشهواته، حتى لا يرى إلا نفسه وما يخدمها مباشرة، ويبلغ به حب الذات حدَّ العبادة، إذ يجعل ما تشتهيه نفسه شرعا يلتزم به، وحينئذ يسجن في زنزانة نفسه، ولا يؤمن بغيرها، ولا يقدر أن يسمو بها إلى حالة الإيمان برب العالمين.
أَفَرَأَيْتَ مَنْ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ لماذا يقول ربنا أَفَرَأَيْتَ ولا يخاطب من اتبع هواه مباشرة؟
والجواب
أولًا: لأن مثل هذا الإنسان ليس من السهولة أن يميِّز خطأه، بل هو كالميت لا يستحق خطابا.
ثانياً: لكي يتخذ المخاطب حذره، فلا يقع فيما وقع فيه عابد هواه، ويتعلم عبادة ربه من عابد هواه، كما قيل لذلك الحكيم: من أين تعلمت الأدب؟ قال: ممن لا أدب له، عمل ما ساءني فلم أعمل مثله؟ كذلك يكفينا عبرة النظر إلى عاقبة من يعبد هواه، فلا ندع شهواتنا الطاغية تستدرجنا إلى هذا المصير، بل نعُدُّ الهوى أشد أعدائنا، ونعُدُّ الوقوف أمامه شجاعة بالغة .. على أن أكثر الناس يطيعون أهواءهم بقدر معين، إلا أن من يتخذ هواه إلهه عبرة لهم، ليعرفوا عاقبة الاسترسال مع الهوى.
وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ إنه ما أضلهم إلا من بعد أن أعطاهم العلم، فاختلفوا بغيا بينهم، وقيل على علم من الله أنه يستحق الإضلال بسبب جحوده بعد اليقين، وكفرانه بنعمة الهدى، ويؤول كلا التفسيرين إلى معنى واحد.
وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ فلا يسمعون ولا يعون الحقائق، لأن الله أبعدها عنهم، وهل يعطي ربنا دينه من يعرف أنه يكفر به سلفا؟!
وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فعندما يبصر الآيات لا يرى ما وراءها من العبر، وما قيمة ظواهر الآيات إذا لم يهتد الإنسان إلى معانيها، أوَ تنتفع من سماع لغة لا تعرفها، أوَ ينتفع الأمي إذا نظر في كتاب، وهل يهتدي غير الطبيب إلى حقيقة المرض من رؤية أعراضه؟
كذلك نظرات الذين يعبدون أهواءهم تذهب عبثا، لأن تركيزهم إنما هو على ظواهر