من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٢٦ - فأصلحوا بين أخويكم
تنازل الطرف الآخر. هذا إذا تم الصلح، وفي حالة استمرار القتال حتى تفيء الفئة الباغية فإن مقتضى جعل العودة إلى أمر الله نهاية للقتال أنه ليس هناك حكم آخر كالقصاص والضمان، وإلا جعلا حدَّا للقتال، وهذا هو الظاهر من الروايات التي تبيِّن أحكام البغاة إذ لم أجد فيها حديثا يتعرض لأحكام القود والضمان والغرامة مع أنها في مقام البيان.
كما أن هذا هو المعروف من سيرة أمير المؤمنين عليه السلام، فلو أراد الاقتصاص منهم لقتل بعض أسراهم ممن كان يقود الجيش المعادي كمروان بن الحكم وعبد الله بن الزبير الذين لا ريب في تعلق القصاص بهم.
جاء في التاريخ أن الإمام أمير المؤمنين عليه السلام لما هزم أهل البصرة ذهب إلى دار عظيمة: [فَاسْتَفْتَحَ فَفُتِحَ لَهُ فَإِذَا هُوَ بِنِسَاءٍ يَبْكِينَ بِفِنَاءِ الدَّارِ فَلَمَّا نَظَرْنَ إِلَيْهِ صِحْنَ صَيْحَةً وَاحِدَةً وقُلْنَ هَذَا قَاتِلُ الأَحِبَّةِ فَلَمْ يَقُلْ لَهُنَّ شَيْئاً. وسَأَلَ عَنْ حُجْرَةِ عَائِشَةَ فَفُتِحَ لَهُ بَابُهَا ودَخَلَ وسُمِعَ مِنْهُمَا كَلَامٌ شَبِيهٌ بِالمَعَاذِيرِ لَا واللهِ، وبَلَى واللهِ.
ثُمَّ إِنَّهُ عليه السلام خَرَجَ فَنَظَرَ إِلَى امْرَأَةٍ فَقَالَ عليه السلام لَهَا
[إِلَيَّ يَا صَفِيَّةُ]
(فَأَتَتْهُ مُسْرِعَةً) فَقَالَ عليه السلام
[أَ لَا تُبْعِدِينَ هَؤُلَاءِ (الكُلَيْبَاتِ) يَزْعُمْنَ أَنِّي قَاتِلُ الأَحِبَّةِ، لَوْ كُنْتُ قَاتِلَ الأَحِبَّةِ لَقَتَلْتُ مَنْ فِي هَذِهِ الحُجْرَةِ ومَنْ فِي هَذِهِ، ومَنْ فِي هَذِهِ]
. وأَوْمَأَ عليه السلام بِيَدِهِ إِلَى ثَلَاثِ حُجَرٍ (فَذَهَبَتْ إِلَيْهِنَّ) فَمَا بَقِيَتْ فِي الدَّارِ صَائِحَةٌ إِلَّا سَكَتَتْ ولَا قَائِمَةٌ إِلَّا قَعَدَتْ.
قَالَ الأَصْبَغُ:- وهُوَ صَاحِبُ الحَدِيثِ- وكَانَ فِي إِحْدَى الحُجُرَاتِ عَائِشَةُ ومَنْ مَعَهَا مِنْ خَاصَّتِهَا وفِي الأُخْرَى مَرْوَانُ بْنُ الحَكَمِ وشَبَابٌ مِنْ قُرَيْشٍ وفِي الأُخْرَى عَبْدُ اللهِ بْنُ الزُّبَيْرِ وأَهْلُهُ] [١].
وقال القرطبي في تفسيره: [وما استهلكه البغاة والخوارج من دم أو مال ثم تابوا لم يؤخذوا به. وقال أبو حنيفة: يضمنون، وللشافعي قولان، وجه قول أبي حنيفة أنه إتلاف بعدوان فيلزم الضمان، والمقول في ذلك عندنا أن الصحابة رضي الله عنهم في حروبهم لم يتبعوا مدبرا ولا ذففوا على جريح ولا قتلوا أسيرا ولا ضمنوا نفسا ولا مالا وهم القدوة] [٢].
ثاء: قال الفقهاء إن الباغي ذا الفئة يقتل أسيرا ويجهز عليه جريحا ويُستحلَّ ماله، لأنه يعود إلى من يجمع له السلاح ويغدق عليه الأموال ويعاود القتال .. وجاء في الحديث عن حفص بن غياث قال: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللهِ عليه السلام عَنِ الطَّائِفَتَيْنِ مِنَ المُؤْمِنِينَ إِحْدَاهُمَا بَاغِيَةٌ
[١] مستدرك الوسائل: ج ١١ ص ٥١.
[٢] تفسير القرطبي: ج ١٦ ص ٣٢٠.