من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤١٨ - وفي السماء رزقكم وما توعدون
وَمَا تُوعَدُونَ
فَمِنْ أَيْنَ يُطْلَبُ الرِّزْقُ إِلَّا مِنْ مَوْضِعِهِ، ومَوْضِعُ الرِّزْقِ ومَا وَعَدَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ السَّمَاءُ] [١].
[٢٣] أقرب الأشياء إليك نفسك، وتتجلى النفس لذاتها حين تفكر، وأعظم لحظات التفكر هي عندما تنطق، وإذا قال بعضهم: أنا أفكر فإذا أنا موجود. وقال آخر: الإنسان حيوان ناطق فلأن التفكر حالة يقظة النفس لذاتها، أما النطق فهو ذروة هذه اليقظة. وقد يشك العقل في معطيات الحواس لأن بعض أحاسيس الأذن طنين الدم من داخل البدن، والبصر قد يزيغ واليد قد تصاب بالبرد دون سبب خارجي. أما النطق فلا يشك العقل فيه لأنه من أعظم آيات الله في البدن، ومن أصعب الفعاليات عند البشر، حيث يشترك فيه الجسم والروح معا. إنه قمة الوعي عند الإنسان، لا يشك فيه أحد حتى المثاليون والسوفسطائيون يزعمون بأنهم على يقين من أنهم ينطقون، وعلى ثقة بما يقولون.
من هنا يحلف القرآن يمينا برب السماء أن وعد الله حق، وأن البعث والنشور حق، كما أن نطق الإنسان حق عند نفسه.
فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ وحين يكون القسم برب السماء والأرض يكون أقرب إلى وعينا- نحن البشر- لأننا نعرف شيئا من ضخامة السماء والأرض، فلا بد أن نهتدي بذلك إلى بعض جوانب قدرة الرب وتدبيره إذا عرفنا أنه- سبحانه- هو رب السماء والأرض. ثم يكون التأكيد بالغا حيث يضاف إلى القسم أن ولام التأكيد، ويشتد التأكيد بأن يضرب له مثل الحق بحالة النطق.
وقال البعض: إن النطق هو سمة أساسية في حضارة الإنسان، فمن دونه كيف كانت التجارب تنتقل من شخص لآخر، ومن جيل لجيل ناشئ.
وقالوا: إن القسم هو على ضمان الرزق وعلى استجابة الدعاء اللذين ذكرا في الآية السابقة، ويبدو لي أنه على كل الحقائق التي تواصلت في الآيات السابقة وأبرزها حقيقة الجزاء في الدنيا والآخرة.
[٢٤] وهذا مثل ظاهر لما في السماء من رزق ومن وعد مستوحى من قصة إبراهيم الخليل عليه السلام حينما جاءته الملائكة يبشرونه باستجابة دعائه في نفسه (بغلام) وفي قوم لوط (بإهلاك الكافرين).
[١] من لا يحضره الفقيه: ج ١ ص ٣٢٥.